محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٢٩ - وصف عسوف في ولايته
و قد أحسن المسهل بن كميت حيث يقول:
إذا نحن خفنا في زمان عدوّكم # و خفناكم إن البلاء لراكد
ذاهب عنه أمره
قيل لرجل زال ملكه: ما كان سبب زوال ملكك؟فقال: تدبير الأمر بالهوى [١]
و تأخير عمل اليوم إلى غد، و قيل ذلك لآخر، فقال: قلّة التيقّظ و اشتغالنا باللذّات عن التفرّغ و ثقتنا بعمّالنا حتى ظلموا رعيّتنا، فقلّ دخلنا و بطل عطاء جندنا. فقلّت طاعتهم لنا فقصدنا الأعداء فعجزنا عن مدافعتهم.
متولّي رئاسة بغير استحقاق
قال رجل لسعدان: سوّدك القوم لجهلهم بك، فسيّد الجاهلين غير شريف و إن سوّدوك للفقر إليك فأنت كما قال:
خلت الديار فسدت غير مسوّد # و من الشقاء تفرّدي بالسودد [٢]
و قال محمّد بن يزيد:
و من انتكاس الأمر أن # صارت ولاة الأمر ضبّه [٣]
و شتم مجنون رجلا فقال له: أ تشتمني و أنا سيّد قومي؟فقال المجنون:
و إن بقوم سوّدوك لفاقة # إلى سيّد لو يظفرون بسيّد [٤]
و قال آخر:
و كلام مثلك في الخطو # ب من العجائب و الكبائر [٥]
وصف عسوف في ولايته
حكى رجل ولاية عامل فقال: كان يجبي خراج [٦] الوحش، و يأخذ جزية السمك و يطلب زكاة الملائكة، و يلتمس جمع الريح و يروم القبض على الماء و حصر الحصى و تحصيل الهباء. و لئن كانت النعمة عظمت على قوم خرج عنهم لقد عظمت المصيبة على
[١] الهوى (هنا) : إشباع الأهواء و الميول. و الهوى أيضا الزيغ عن الطريق المثلى.
[٢] التفرّد: الانفراد-السؤدد: مخفف السؤدد، و السؤدد المجد و الرئاسة-يقول: إنّ السيادة عن جهل و حاجة ليست بسيادة.
[٣] انتكاس الأمور: انقلابها إلى الأسوأ من نكسه، قلبه على رأسه و جعل أسفله أعلاه. و نكس المريض عاوده المرض-الضبّة: شيء من حديد و الضبّة أنثى الضبّ و هو من الزحّافات كالحرذون يضرب به المثل فيقال: أعقد من ذنب الضبّ أي مشكل لا تحلّ عقدته.
[٤] الفاقة: العوز الشديد.
[٥] الخطوب: النوائب و النكبات جمع خطب-الكبائر: جمع كبيرة و هي الإثم الكبير.
[٦] يجبي: يجمع-الخراج: المال المضروب على الأرض، و الخراج: الجزية.