محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٢١ - ذمّ مغترّ بولايته
و لما أراد عمرو بن هبيرة تولية أياس القضاء قال له: أني لا أصلح لأني عيي دميم حديد، فقال أما الحدة فالسوط يقوّمك، و أما الدمامة فإني لا أحاسن بك، و أما العيّ فإنك تعبر عما تريده فولاه.
حثّ الوالي على ادّخار الإحسان
قال جعفر بن محمد: كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان. و قال بعضهم لوال:
بادر بإحسانك الليالي # فليس من غدرها أمان
و قيل: أحسن و الدولة تحسن إليك، و أنشد:
إذا هبت رياحك فاغتنمها # فإنّ لكل خافقة سكون [١]
و لا تزهد عن الإحسان فيها # فما تدري السكون متى يكون
و قيل: اجعل زمان رخائك [٢] عدة لزمان بلائك [٣] . و قيل: تودّد الرجل في علو مرتبته ذب [٤] للشماتة أيام سقطته. و استعمل عمر رضي اللّه عنه رجلا، فقال: إن العمل كبير فانظر كيف تخرج منه.
ذمّ مغترّ بولايته
وصف أعرابي واليا فقال: ما أطول سكر كأس شربها فلان. و لما يخاف من عاقبتها أشد سكرا. و لئن كانت الدنيا مشغولة به ليوشك أن تكون فارغة منه، حيث لا يرجى له أو به و لا تقبل له توبة.
و ذكر الأصمعي أن قول الشاعر:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت # و لم تخف غبّ ما يأتي به القدر
و سالمتك الليالي فاغتررت بها # و عند صفو الليالي يحدث الكدر
كأنما أخذ من قوله تعالى: حَتََّى إِذََا فَرِحُوا بِمََا أُوتُوا أَخَذْنََاهُمْ بَغْتَةً [٥] .
و دخل الأنباري الشاعر على الصاحب بالأهواز، و كان نازلا في دار ابن بقية، فلم يعرفه الصاحب و لم يلتفت إليه، فانشأ يقول:
اسمع مقالي و لا تغضب عليّ فما # أبغي بذلك لا بذلا و لا عوضا
في هذه الدار في هذا الرواق على # هذا السرير رأيت الملك فانقرضا
[١] هبت رياحك: يقال هبت رياح فلان كناية عن إقبال الدنيا عليه.
[٢] الرخاء: لين العيش و خفضه.
[٣] البلاء: المصيبة.
[٤] الذبّ: الدّفع و منع وقوع الشيء.
[٥] القرآن الكريم: الأنعام/٤٤.