محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١١٩ - قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه
و قيل لجرير: ما تقول في الجعديّ [١] ، فقال: سوق خلقان [٢] ترى ثوبا يروعك و ثوبا تستهجنه عينك. و قيل: إذا كان الكلام كلّه منقّى لم تبن فيه اللمعة و النكتة، و لذلك لم يستعذب الناس شعر صالح بن عبد القدوس [٣] ، لما كان كلّه حكما.
و قال المتنبّي:
و في الشعر ما تهوى النفوس استماعه # و في الشعر ما قد ضمّه حبل حاطب
ضنّ الشاعر برديء شعره
قال عبد اللّه بن طاهر: آفة الشاعر البخل، لأنه يقول خمسين بيتا و فيها بيت رديء فلا يحتمل قلبه أن يسقطه.
و قيل: الشاعر كالصيرفيّ يجتهد في أن يروّج ما في كيسه من الزيوف.
اعتذار من قصّر عن مساجلة
.
قال العتّابي:
و لا عار إن قصّرت دون مبرّز # شأى الناس قبلي سعيه و شآني [٤]
و إنّي كمن جارى جوادا بمقرف # قوائمه مشكولة بحران [٥]
و ممّا يحسن أن يتمثّل به هنا قول الدارمي [٦] :
كلانا شاعر من قول صدق # و لكنّ الرّحى فوق التفال
قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه
قال أحمد بن أبي الخصيب:
و إنّي و إن أحسنت في القول مرّة # فمنك و من إحسانك امتار هاجسي
[١] الجعديّ: هو النابغة الجعدي و اسمه عبد اللّه بن قيس و يكنى أبا ليلى. أدرك الإسلام و اعتنقه و حسن إسلامه، و هو من المعمّرين، و كان نادم أبا النعمان بن المنذر، و هو أقدم من النابغة الذبياني كما ذكر ابن قتيبة.
[٢] الخلقان: البالي و اللفظة للمذكر و المؤنث.
[٣] صالح بن عبد القدوس: هو من شعراء بغداد، صلب لأنه كان زنديقا، و إلى صالح هذا تنسب القصيدة الزينبية و أولها:
صرمت حبلك بعد وصلك زينب # و الدّهر فيه تصرّم و تقلّب
و لذاك وصل الغانيات فإنّه # آل ببلقعة و بزق خلّب
[٤] شأى الناس: سبقهم، و تشاءوا: تسابقوا.
[٥] المقرف: النذل، و وجه مقرف غير حسن.
[٦] الدارميّ: هو ربيعة بن عامر و هو من بني دارم، و مسكين لقب غلب عليه، فقيل مسكين الدارمي، و فيه يقول:
و سمّيت مسكينا و كانت لجاجة # و إني لمسكين إلى اللّه راغب
(انظر الأغاني: ١٨/٦٨) .