ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٣٩٠ - الباب الثاني و السبعون الكرم، و الجود، و اصطناع ، الأحرار، و ذكر الكرام و الأجواد، و أولي المروءات
الجواد الكريم أن يعطي لعبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة اللّه الغالبة، و أمره النافذ.
١٣٧-وقف أعرابي على ابن عامر فقال: يا قمر البصرة و شمس الحجاز و يا ابن ذروة العرب، و ترب بطحاء مكة، نزعت بي الحاجة، و أكدت بي الآمال إلا بفنائك، فامنحني بقدر الطاقة و الوسع، لا بقدر المحتد و الشرف و الهمة. فأمر له بعشرة آلاف. فقال: ما ذا؟تمرة أو رطبة أو بسرة؟قيل: بل دراهم. فصعق. ثم قال: رب إن ابن عامر يجاودك [١] ، فهب له ذنبه في مجاودتك.
١٣٨-و تعشى الناس عند سعيد بن العاص، فلما خرجوا بقي فتى من الشام قاعدا. فقال له سعيد: أ لك حاجة؟و أطفأ الشمعة كراهة أن يحصر الفتى عن حاجة، فذكر أن أباه مات و ترك دينا و عيالا، و سأله أن يكتب له إلى أهل دمشق ليقوموا بإصلاح بعض شأنه. فأعطاه عشرة آلاف دينار، و قال: لا تقاس الذل على أبوابهم، قال بعض القرشيين. لإطفائه الشمعة أكثر من عشرة آلاف.
١٣٩-قال المأمون لمحمد بن عباد: بلغني أن بك سرفا [٢] . قال:
يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظن [٣] بالمعبود. فأمر له بمائة ألف، و قال: أما مادتك، و اللّه مادتي، فأنفق و لا تبخل.
سمع المأمون قول عمارة بن عقيل:
[١] جاوده: أي فاخره بالجود يقال جاوده مجاودة إذا فاخره و كان الفخر قائما على الجود و العطاء و الكرم.
[٢] السرف: الإسراف: مجاوزة القصد و أسرف في ماله عجل من غير قصد.
و الإسراف في النفقة التبذير: قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا .
[٣] ظن: الظن هو شك و يقين إلا أنه ليس بيقين عيان إنما هو يقين تدبر.