المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٨ - ٢٣٢٥- جارية شغب أم المقتدر باللَّه
بعض الدهاليز قريبا من الباب عدل بي إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة، و فيها من الآلات و الخدم و الأمتعة و القماش كل شيء لم أر مثله قط، فأجلست فيها و تركت وحدي، و انصرف من أدخلني، فجلست يومي لا أرى من أعرفه، و لم أبرح من موضعي إلا إلى الصلاة، و خدم يدخلون و يخرجون، و طعام ينقل، و هم يقولون: الليلة تزف فلانة- باسم صاحبتي إلى زوجها البزاز فلا أصدق فرحا فلما جاء الليل أثر فيّ الجوع، و قفلت الأبواب و يئست من الجارية فقمت أطوف الدار، فوقفت على المطبخ و وجدت الطباخين جلوسا، فاستطعمتهم فلم يعرفوني، و قدرني بعض الوكلاء، فقدموا إلي هذا اللون من الطبيخ مع رغيفين فأكلتهما و غسلت يدي بأشنان كان في المطبخ و قدرت أنها قد نقيت، و عدت إلى مكاني، فلما جن الليل إذا طبول و زمور و أصوات عظيمة، و إذا بالأبواب قد فتحت و صاحبتي قد أهديت إلي، و جاءوا بها فجلوها علي و أنا أقدر أن ذلك في النوم فرحا، و تركت معي في المجلس و تفرق الناس.
فلما خلونا تقدمت إليها فقبلتها و قبلتني فشمت لحيتي فرفستني فرمت بي عن المنصة، و قالت: أنكرت أن تفلح يا عامي يا سفلة، و قامت لتخرج، فقمت و علقت بها و قبلت الأرض و رجليها، و قلت: عرفيني ذنبي و اعملي بعده ما شئت، فقالت: ويحك أكلت فلم تغسل يدك، فقصصت عليها قصتي، فلما بلغت إلى آخرها قلت: عليّ و عليّ فحلفت بطلاقها و طلاق كل امرأة أتزوجها، و صدقة مالي و جميع ما أملكه و الحج ماشيا على قدمي، و الكفر باللَّه، و كل ما يحلف المسلمون به لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة، فأشفقت و تبسمت و صاحت يا جواري، فجاء مقدار عشر جوار و وصائف، و قالت: هاتوا شيئا نأكل، فقدمت ألوان طريفة و طعام من أطعمة الخلفاء، فأكلنا و غسلنا أيدينا و مضى الوصائف، ثم قمنا إلى الفراش فدخلت بها و بت بليلة من ليالي الخلفاء، و لم نفترق أسبوعا، و كانت يوم الأسبوع وليمة هائلة اجتمع فيها الجواري، فلما كان من غد قالت: ان دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا فلو لا أنه استؤذن فأذن بعد جهد لما تم لنا هذا لأنه شيء لم يفعل قبل هذا مع جارية غيري لمحبة سيدتي لي، و جميع ما تراه فهو هبة من السيدة لي، و قد أعطتني خمسين ألف دينار من عين و ورق و جوهر و دنانير و ذخائر لي خارج القصر كثيرة من كل لون،