المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٧ - ذكر طرف من سيرة المقتدر باللَّه
المعتضد و بكيت، و كنت يوما واقفا على رأس المعتضد، فقال: هاتوا فلانا الطيبي- خادم يلي خزانة الطيب [١]- فأحضر فقال له: كم عندك من الغالية؟ فقال:
نيف و ستون حبا صينيا مما عمله عدة من الخلفاء، قال: فأيها أطيب [٢]؟ قال: ما عمله الواثق، [قال: أحضرنيه] [٣]، فأحضره حبا عظيما تحمله عدة خدم بدهق، ففتح فإذا بغالية قد ابيضت [من التعشيب] [٤]، و جمدت من العتق في نهاية الذكاء، فأعجبت المعتضد و أهوى بيده إلى حوالي عنق الحب، فأخذ من لطاخته شيئا يسيرا من غير أن يشعث رأس الحب و جعله في لحيته، و قال: ما تسمح نفسي تطريق التشعيث على هذا الحب [٥]، ارفعوه، فرفع فمضت الأيام، فجلس المكتفي يوما و هو خليفة فطلب غالية فاستدعى الخادم و سأله عن الغوالي فأخبره بما كان أخبر به أباه، فاستدعى غالية الواثق فجاءه بالحب بعينه ففتح فاستطابه، و قال: أخرجوا منه قليلا! فأخرج مقدار ثلاثين أو أربعين درهما فاستعمل منه في الحال ما أراده، و دعا بعتيدة له فجعل الباقي فيها ليستعمله على الأيام، و أمر بالحب فختم بحضرته و رفع، و مضت الأيام و ولي المقتدر الخلافة، و جلس يوما مع الجواري، و كنت على رأسه فأراد أن يتطيب فاستدعى الخادم، و سأله فأخبره مثل ما أخبر به أباه و أخاه [٦]، فقال: هات الغوالي كلها فأحضرها الحباب كلها فجعل يخرج من كل حب مائة مثقال و خمسين و أقل و أكثر فيقسمه و يفرقه على من بحضرته حتى انتهى إلى حب الواثق فاستطابه فقال: هاتوا عتيدة حتى نخرج إليها ما نستعمله، فجاءوا بعتيدة فكانت عتيدة المكتفي بعينها، فرأى الحب ناقصا و العتيدة فيها شيء، فقال: ما السبب في هذا؟ فأخبرته بالخبر على شرحه فأخذ يعجب من بخل الرجلين [٧]، و يضع منهما بذلك، ثم قال: فرقوا الحب بأسره على الجواري!
[١] في ك: «خادما يلي خزانة الطيب».
[٢] في ت: «آتينا بطيب».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت.
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت.
[٥] في ت: «ما تسمع نفسي بالتشعيب على هذا الحب».
[٦] في ك، ص، و المطبوعة: «و سأله فأخبره بما أخبر أباه و أخاه».
[٧] في ك: «فأخذ يتعجب من بخل الرجلين».