المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٣ - ٢٣٢٥- جارية شغب أم المقتدر باللَّه
بابن النرسي، قال: كنت جالسا بحضرة أبي و أنا حدث و عنده جماعة، فحدثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الطريفة، و كان ممن حضر صديق لأبي فسمعته يحدث أبي، قال: حضرت عند صديق لي من التجار كان يحزر بمائة ألف دينار في دعوة، و كان حسن المروءة، فقدم مائدته و عليها ديكيريكة [١]، فلم يأكل منها فامتنعنا، فقال: كلوا فإنّي أتأذي بأكل هذا اللون، فقلنا: نساعدك على تركه، قال: بل أساعدكم على الأكل و أحتمل الأذى، فأكل فلما أراد غسل يديه أطال، فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة، فقلت: يا هذا وسوست؟ فقال: هذه الأذية التي فرقت/ منها [٢] فقلت: و ما سببها؟
فامتنع من ذكره، فألححت [٣] عليه، فقال: مات أبي و سني عشرون سنة، و خلف لي نعمة صغيرة، و رأس مال و متاعا في دكانه، و كان خلقانيا في الكرخ، فقال لي لما حضرته الوفاة: يا بني أنه لا وارث لي غيرك و لا دين علي و لا مظلمة فإذا أنا مت فأحسن جهازي و صدق عني بكذا و كذا، و أخرج عن حجة بكذا و كذا، و قال و بارك اللَّه لك في الباقي، و لكن احفظ وصيتي. فقلت: قل، فقال: لا تسرف في مالك فتحتاج إلى ما في أيدي الناس و لا تجده، و اعلم أن القليل مع الإصلاح كثير، و الكثير مع الفساد قليل، فالزم السوق و كن أول من يدخلها و آخر من يخرج منها، و إن استطعت أن تدخلها سحرا بليل فافعل فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام. و مات، و أنفذت وصيته و عملت بما أشار به، و كنت أدخل السوق سحرا و أخرج منها عشاء، فلا أعدم من يجيئني من يطلب كفنا فلا يجد من قد فتح غيري فأحكم عليه و من يبيع شيئا و السوق لم تقم فأبيعه له و أشياء من الفوائد، و مضى على لزومي السوق سنة و كسر، فصار لي بذلك جاه عند أهلها، و عرفوا استقامتي فأكرموني، فبينا أنا جالس يوما و لم يتكامل السوق إذا بامرأة راكبة حمارا مصريا و على كفله منديل دبيقيّ و خادم، و هي بزي القهرمانة فبلغت آخر السوق، ثم رجعت فنزلت عندي، فقمت إليها و أكرمتها، و قلت: ما تأمرين؟ و تأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها و لا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء، فقالت: أريد كذا ثيابا طلبتها، فسمعت نغمة و رأيت شكلا قتلني و عشقتها في الحال أشد العشق، فقلت:
[١] على هامش المطبوعة: «لعلها ديگ بر ديگ». كلمة فارسية معناها قدر على قدر.
[٢] في ت، ك: «فقال هذا الأذى الّذي توقفت منها».
[٣] في ت: «فامتنع من ذكرها».