المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٤ - ٢٣٢٥- جارية شغب أم المقتدر باللَّه
اصبري حتى يخرج الناس فآخذ لك ذلك فليس عندي إلا القليل مما يصلح لك، فأخرجت الّذي عندي و جلست تحادثني و السكاكين في فؤادي من عشقها، و كشفت عن أنامل رأيتها كالطلع، و وجه كدارة القمر، فقمت لئلا يزيد عليّ الأمر، فأخذت لها من السوق ما أرادت و كان ثمنه مع مالي نحو خمسمائة دينار، فأخذته و ركبت و لم تعطني شيئا و ذهب عني لما تداخلني من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال و أستدلّ على منزلها و من دار من هي، فحين غابت عني وقع لي أنها محتالة، و أن ذلك سبب فقري فتحيرت في أمري و قامت قيامتي و كتمت خبري لئلا أفتضح بما للناس علي، و عملت على بيع ما في يدي من المتاع و إضافته إلى ما عندي من الدراهم و دفع أموال الناس إليهم و لزوم البيت و الاقتصار على غلة العقار الّذي ورثته عن أبي، و وطنت نفسي [١] على المحنة، و أخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع، و إذا هي [٢] قد نزلت عندي، فحين رأيتها أنسيت جميع ما جرى علي و قمت إليها، فقالت: يا فتى تأخرنا عنك لشغل عرض لنا، و ما شككنا في أنك لم تشك أننا احتلنا عليك، فقلت: قد رفع اللَّه قدرك عن هذا، فقالت: هات التخت من الطيار [٣]، فأحضرته فأخرجت دنانير عتقا فوفتني المال بأسره، و أخرجت تذكرة بأشياء أخر فأنفذت إلى التجار أموالهم، و طلبت منهم ما أرادت، و حصلت أنا في الوسط ربحا جيدا، و أحضر التجار الثياب فقمت و ثمنتها معهم لنفسي، ثم بعتها عليها بربح و أنا في خلال ذلك انظر إليها نظر تالف من حبها، و هي تنظر إلي نظر من قد فطن بذلك و لم تنكره، فهممت بخطابها و لم أقدم فاجتمع المتاع و كان ثمنها ألف دينار، فأخذته و ركبت و لم أسألها عن موضعها، فلما غابت عني، قلت: هذا الآن هو الحيلة المحكمة، أعطتني [خمسة آلاف درهم] [٤] و أخذت ألف دينار، و ليس إلا بيع عقاري الآن و الحصول على الفقر المدقع، ثم سمحت نفسي برؤيتها مع الفقر و تطاولت غيبتها نحو شهر، و ألح التجار علي المطالبة فعرضت عقاري على البيع [٥]، و لازمني
[١] في ل، ص: «الّذي ورثته و وطنت نفسي».
[٢] في ك: «و إذا بها».
[٣] في المطبوعة: «هات التخت و الطيار».
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من ت، و كتب على الهامش.
[٥] في ك: «فعرضت عقاري للبيع».