المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٧ - ٢٣٢٥- جارية شغب أم المقتدر باللَّه
و أدخلت الدار فرجعت إليّ روحي، فبينا نحن نمشي إذ قالت: وا ويلاه، الخليفة و اللَّه فجاءني أعظم من الأول، و سمعت كلام خدم و جوار و هو يقول من بينهم: ويلك يا فلانة أيش في صندوقك؟ أريني هو، فقالت: ثياب لستي يا مولاي و الساعة أفتحه بين يديها و تراه، و قالت للخدم: أسرعوا ويلكم، فأسرعوا و أدخلتني إلى حجرة و فتحت عني و قالت: اصعد هذه الدرجة إلى الغرف و اجلس فيها، و فتحت بالعجلة صندوقا آخر فنقلت بعض ما كان فيه إلى الصندوق الّذي كنت فيه و قفلت الجميع، و جاء المقتدر و قال: افتحي، ففتحته فلم يرض منه شيئا و خرج، فصعدت إليّ و جعلت ترشفني و تقبلني، فعشت و نسيت ما جرى، و تركتني، و قفلت باب الحجرة يومها، ثم جاءتني ليلا فاطعمتني و سقتني و انصرفت، فلما كان من غد جاءتني، فقالت: السيدة الساعة تجيء فانظر كيف تخاطبها. ثم عادت بعد ساعة مع السيدة، فقالت: انزل، فنزلت فإذا بالسيدة جالسة على كرسي و ليس معها إلا وصيفتان و صاحبتي، فقبلت الأرض و قمت بين يديها، فقالت: اجلس، فقلت: أنا عبد السيدة و خادمها و ليس من محلي أن يجلس بحضرتها، فتأملتني و قالت: ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه و الأدب.
و نهضت فجاءتني صاحبتي بعد ساعة و قالت: أبشر فقد أذنت لي و اللَّه في تزويجك، و ما بقي الآن عقبة إلا الخروج، فقلت يسلم اللَّه فلما كان من الغد حملتني في الصندوق فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة أخرى و فزع نالني، و نزلت في المسجد و رجعت إلى منزلي فتصدقت و حمدت اللَّه على السلامة، فلما كان بعد أيام جاءني الخادم و معه كيس فيه ثلاثة آلاف دينار عينا، و قال أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها، و قالت: تشتري به ثيابا و مركوبا و خدما، و تصلح به ظاهرك و تعال يوم الموكب إلى باب العامة و قف حتى تطلب، فقد وافقت الخليفة أن تزوجك بحضرته، فأجبت عن رقعة كانت معه، و أخذت المال و اشتريت ما قالوا بيسير منه، و بقي الأكثر عندي، و ركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزي حسن و جاء الناس فدخلوا إلى الخليفة، و وقفت إلى أن استدعيت، فدخلت فإذا أنا بالمقتدر جالس و القواد و القضاة و الهاشميون، فهبت المجلس و علمت كيف أسلم و أقف، ففعلت فتقدم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لي و زوجني، و خرجت من حضرته، فلما صرت في