موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٢
لِلأَذِيّاتِ، وقَد عَجِبَت مِن صَبرِكَ مَلائِكَةُ السَّماواتِ.
وأحدَقوا بِكَ مِن كُلِّ الجِهاتِ، وأثخَنوكَ بِالجِراحِ، وحالوا بَينَكَ وبَينَ الرَّواحِ، ولَم يَبقَ لَكَ ناصِرٌ، وأنتَ مُحتَسِبٌ صابِرٌ، تَذُبُّ عَن نِسوَتِكَ وأولادِكَ. حَتّى نَكَسوكَ عَن جَوادِكَ، فَهَوَيتَ إلَى الأَرضِ جَريحاً، تَطَؤُكَ الخُيولُ بِحَوافِرِها، وتَعلوكَ الطُّغاةُ بِبَواتِرِها،[١] قَد رَشَحَ لِلمَوتِ جَبينُكَ، وَاختَلَفَت بِالانقِباضِ وَالانبِساطِ شِمالُكَ ويَمينُكَ، تُديرُ طَرفاً خَفِيّاً إلى رَحلِكَ وبَيتِكَ، وقَد شُغِلتَ بِنَفسِكَ عَن وَلَدِكَ وأهلِكَ، وأسرَعَ فَرَسُكَ شارِداً، وإلى خِيامِكَ قاصِداً، مُحَمحِماً باكِياً.
فَلَمّا رَأَينَ النِّساءُ جَوادَكَ مَخزِيّاً،[٢] ونَظَرنَ سَرجَكَ عَلَيهِ مَلوِيّاً، بَرَزنَ مِنَ الخُدورِ، ناشِراتِ الشُّعورِ، عَلَى الخُدودِ لاطِماتٍ، لِلوُجوهِ[٣] سافِراتٍ، وبِالعَويلِ داعِياتٍ، وبَعدَ العِزِّ مُذَلَّلاتٍ، وإلى مَصرَعِكَ مُبادِراتٍ.
وَالشِّمرُ جالِسٌ عَلى صَدرِكَ، مولِغٌ سَيفَهُ عَلى نَحرِكَ، قابِضٌ عَلى شَيبَتِكَ بِيَدِهِ، ذابِحٌ لَكَ بِمُهَنَّدِهِ،[٤] قَد سَكَنَت حَواسُّكَ، وخَفِيَت أنفاسُكَ، ورُفِعَ عَلَى القَنا رَأسُكَ، وسُبِيَ أهلُكَ كَالعَبيدِ، وصُفِّدوا[٥] فِي الحَديدِ، فَوقَ أقتابِ المَطِيّاتِ، تَلفَحُ وُجوهَهُم حَرُّ الهاجِراتِ، يُساقونَ فِي البَراري وَالفَلَواتِ، أيديهِم مَغلولَةٌ إلَى الأَعناقِ، يُطافُ بِهِم فِي الأَسواقِ.
فَالوَيلُ لِلعُصاةِ الفُسّاقِ، لَقَد قَتَلوا بِقَتلِكَ الإِسلامَ، وعَطَّلُوا الصَّلاةَ وَالصِّيامَ،
[١]. الباتِرُ: السيف القاطع( الصحاح: ج ٢ ص ٥٨٤« بتر»).
[٢]. خَزيَ خِزْياً: ذلّ وهان( المصباح المنير: ص ١٦٨« خزي»).
[٣]. في المصدر:« الوجوه»، والصواب ما أثبتناه كما في بحار الأنوار.
[٤]. المُهَنَّدُ: السيف المطبوع من حديد الهند( الصحاح: ج ٢ ص ٥٥٧« هند»).
[٥]. صَفَدَهُ: أي شدّه وأوثقه( الصحاح: ج ٢ ص ٤٩٨« صفد»).