موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣٤
لي، وما أقدِرُ عَلَى النُّهوضِ قَبلَ ذلِكَ عَلى رِجلي فَلَمَّا استَقَرَّ الشَّرابُ في جَوفي فَكَأَنَّما نُشِطتُ مِن عِقالٍ[١]، فَأَتَيتُ بابَهُ فَاستَأذَنتُ عَلَيهِ، فَصَوَّتَ بي: صَحَّ الجِسمُ، ادخُل، فَدَخَلتُ عَلَيهِ وأنَا باكٍ، فَسَلَّمتُ عَلَيهِ وقَبَّلتُ يَدَهُ ورَأسَهُ.
فَقالَ لي: وما يُبكيكَ يا مُحَمَّدُ؟
قُلتُ: جُعِلتُ فِداكَ! أبكي عَلَى اغتِرابي، وبُعدِ الشُّقَّةِ، وقِلَّةِ القُدرَةِ عَلَى المُقامِ عِندَكَ أنظُرُ إلَيكَ.
فَقالَ لي: أمّا قِلَّةُ القُدرَةِ فَكَذلِكَ جَعَلَ اللَّهُ أولِياءَنا وأهلَ مَوَدَّتِنا وجَعَلَ البَلاءَ إلَيهِم سَريعاً، وأمّا ما ذَكَرتَ مِنَ الغُربَةِ فَإِنَّ المُؤمِنَ في هذِهِ الدُّنيا غَريبٌ، وفي هذَا الخَلقِ المَنكوسِ حَتّى يَخرُجَ مِن هذِهِ الدّارِ إلى رَحمَةِ اللَّهِ، وأمّا ما ذَكَرتَ مِن بُعدِ الشُّقَّةِ فَلَكَ بِأَبي عَبدِ اللَّهِ ٧ اسوَةٌ بِأَرضٍ نائِيَةٍ عَنّا بِالفُراتِ، وأمّا ما ذَكَرتَ مِن حُبِّكَ قُربَنا وَالنَّظَرَ إلَينا، وأنَّكَ لا تَقدِرُ عَلى ذلِكَ، فَاللَّهُ يَعلَمُ ما في قَلبِكَ وجَزاؤُكَ عَلَيهِ.
ثُمَّ قالَ لي: هَل تَأتي قَبرَ الحُسَينِ ٧؟ قُلتُ: نَعَم عَلى خَوفٍ ووَجَلٍ.
فَقالَ: ما كانَ في هذا أشَدَّ فَالثَّوابُ فيهِ عَلى قَدرِ الخَوفِ، ومَن خافَ في إتيانِهِ آمَنَ اللَّهُ رَوعَتَهُ يَومَ يَقومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ، وَانصَرَفَ بِالمَغفِرَةِ، وسَلَّمَت عَلَيهِ المَلائِكَةُ، وزارَهُ النَّبِيُّ ٦ وما يَصنَعُ[٢] ودَعا لَهُ، وَانقَلَبَ بِنِعمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضلٍ لَم يَمسَسهُ سوءٌ، وَاتَّبَعَ رِضوانَ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ لي: كَيفَ وَجَدتَ الشَّرابَ؟
فَقُلتُ: أشهَدُ أنَّكُم أهلُ بَيتِ الرَّحمَةِ، وأنَّكَ وَصِيُّ الأَوصِياءِ، ولَقَد أتانِي الغُلامُ بِما بَعَثتَهُ وما أقدِرُ عَلى أن أستَقِلَّ عَلى قَدَمَيَّ، ولَقَد كُنتُ آيِساً مِن نَفسي، فَناوَلَنِي
[١]. فكأنّما انشِطَ من عقال: أي حُلّ( النهاية: ج ٥ ص ٥٧« نَشَط»).
[٢].« و ما يصنع» كذا في المصدر و بحار الأنوار، ولعلّها من زيادة النسّاخ.