موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٨
فَهَوَيتَ إلَى الأَرضِ طَريحاً ضَمآنَ جَريحاً، تَطَؤُكَ الخُيولُ بِحَوافِرِها، وتَعلوكَ الطُّغاةُ بِبَواتِرِها، قَد رَشَحَ لِلمَوتِ جَبينُكَ، وَاختَلَفَت بِالانبِساطِ وَالانقِباضِ شِمالُكَ ويَمينُكَ، تُديرُ طَرفاً مُنكَسِراً إلى رَحلِكَ، وقَد شُغِلتَ بِنَفسِكَ عَن وُلدِكَ وأهلِكَ، فَأَسرَعَ فَرَسُكَ شارِداً، وأتى خِيامَكَ قاصِداً، مُحَمحِماً باكِياً.
فَلَمّا رَأَينَ النِّساءُ جَوادَكَ مَخزِيّاً، وأبصَرنَ سَرجَكَ مَلوِيّاً، بَرَزنَ مِنَ الخُدورِ، لِلشُّعورِ ناشِراتٍ، ولِلخُدودِ لاطِماتٍ، ولِلوُجوهِ سافِراتٍ، وبِالعَويلِ داعِياتٍ، وبَعدَ العِزِّ مُذَلَّلاتٍ، وإلى مَصرَعِكَ مُبادِراتٍ، وشِمرٌ جالِسٌ عَلى صَدرِكَ، مُولِغٌ سَيفَهُ في نَحرِكَ، قابِضٌ شَيبَتَكَ بِيَدِهِ، ذابِحٌ لَكَ بِمُهَنَّدِهِ، وقَد سَكَنَت حَواسُّكَ، وخَمَدَت أنفاسُكَ، ووَرَدَ عَلَى القَناةِ رَأسُكَ، وسُبِيَ أهلُكَ كَالعَبيدِ، وصُفِّدوا فِي الحَديدِ فَوقَ أقتابِ[١] المَطِيّاتِ، تَلفَحُ وُجوهَهُم حَرورُ الهاجِراتِ، يُساقونَ فِي الفَلَواتِ، أيديهِم مَغلولَةٌ إلَى الأَعناقِ، يُطافُ بِهِم فِي الأَسواقِ.
فَالوَيلُ لِلعُصاةِ الفُسّاقِ، لَقَد قَتَلوا بِقَتلِكَ الإِسلامَ، وعَطَّلُوا الصَّلاةَ وَالصِّيامَ، ونَقَضُوا السُّنَنَ وَالأَحكامَ، وهَدَموا قَواعِدَ الإِيمانِ، وحَرَّفوا آياتِ القُرآنِ، وهَملَجوا[٢] فِي البَغيِ وَالعُدوانِ.
لَقَد أصبَحَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وآلِهِ مِن أجلِكَ مَوتوراً، وعادَ كِتابُ اللَّهِ مَهجوراً، وغودِرَ الحَقُّ إذ قُهِرتَ مَقهوراً، فُقِدَ بِفَقدِكَ التَّكبيرُ وَالتَّهليلُ، وَالتَّحريمُ وَالتَّحليلُ، وَالتَّنزيلُ وَالتَّأويلُ، وظَهَرَ بَعدَكَ التَّغييرُ وَالتَّبديلُ،
[١]. القَتب: رحل صغير على قدر السنام( الصحاح: ج ١ ص ١٩٨« قتب»).
[٢]. الهملجة والهملاج: حسن سير الدابّة في سرعة( لسان العرب: ج ٢ ص ٣٩٤« هملج»).