موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢١
زاهِداً فِي الدُّنيا زُهدَ الرّاحِلِ عَنها، ناظِراً إلَيها بِعَينِ المُستَوحِشينَ مِنها، آمالُكَ عَنها مَكفوفَةٌ، وهِمَّتُكَ عَن زينَتِها مَصروفَةٌ، وألحاظُكَ عَن بَهجَتِها مَطروفَةٌ، ورَغبَتُكَ فِي الآخِرَةِ مَعروفَةٌ. حَتّى إذَا الجَورُ مَدَّ باعَهُ، وأسفَرَ الظُّلمُ قِناعَهُ، ودَعَا الغَيُّ أتباعَهُ، وأنتَ في حَرَمِ جَدِّكَ قاطِنٌ، ولِلظّالِمينَ مُبايِنٌ، جَليسُ البَيتِ وَالمِحرابِ، مُعتَزِلٌ عَنِ اللَّذّاتِ وَالشَّهَواتِ، تُنكِرُ المُنكَرَ بِقَلبِكَ ولِسانِكَ عَلى قَدرِ طاقَتِكَ وإمكانِكَ. ثُمَّ اقتَضاكَ العِلمُ لِلإِنكارِ، ولَزِمَكَ أن تُجاهِدَ الفُجّارَ، فَسِرتَ في أولادِكَ وأهاليكَ، وشيعَتِكَ ومَواليكَ، وصَدَعتَ بِالحَقِّ وَالبَيِّنَةِ، ودَعَوتَ إلَى اللَّهِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ، وأمَرتَ بِإِقامَةِ الحُدودِ، وَالطّاعَةِ لِلمَعبودِ، ونَهَيتَ عَنِ الخَبائِثِ وَالطُّغيانِ، وواجَهوكَ بِالظُّلمِ وَالعُدوانِ.
فَجاهَدتَهُم بَعدَ الإِيعاظِ لَهُم، وتَأكيدِ الحُجَّةِ عَلَيهِم، فَنَكَثوا ذِمامَكَ وبَيعَتَكَ، وأسخَطوا رَبَّكَ وَجَدَّكَ، وَبَدؤوكَ بِالحَربِ، فَثَبَتَّ لِلطَّعنِ وَالضَّربِ، وطَحَنتَ جُنودَ الفُجّارِ، وَاقتَحَمتَ قَسطَلَ الغُبارِ، مُجالِداً بِذِي الفَقارِ، كَأَنَّكَ عَلِيٌّ المُختارُ.
فَلَمّا رَأَوكَ ثابِتَ الجَأشِ، غَيرَ خائِفٍ ولا خاشٍ، نَصَبوا لَكَ غَوائِلَ[١] مَكرِهِم، وقاتَلوكَ بِكَيدِهِم وشَرِّهِم، وأمَرَ اللَّعينُ جُنودَهُ فَمَنَعوكَ الماءَ ووُرودَهُ، وناجَزوكَ القِتالَ، وعاجَلوكَ النِّزالَ، ورَشَقوكَ بِالسِّهامِ وَالنِّبالِ، وبَسَطوا إلَيكَ أكُفَّ الاصطِلامِ،[٢] ولَم يَرعَوا لَكَ ذِماماً، ولا رَاقَبوا فيكَ أثاماً في قَتلِهِم أولِياءَكَ ونَهبِهِم رِحالَكَ، أنتَ مُقَدَّمٌ فِي الهَبَواتِ،[٣] ومُحتَمِلٌ
[١]. الغَوائِلُ: أي المهالك( النهاية: ج ٣ ص ٣٩٧« غول»).
[٢]. الاصطلام: افتعال من الصلم: القطع( النهاية: ج ٣ ص ٤٩« صلم»).
[٣]. الهَبْوة: الغَبَرة، ويقال لدقاق التراب إذا ارتفع: هبا يهبو( النهاية: ج ٥ ص ٢٤١« هبا»).