موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٣
وهكَذا تَكونُ طينَةُ الأَنبِياءِ وأولادِ الأَنبِياءِ، فَهذِهِ الظِّباءُ تُكَلِّمُني وتَقولُ: إنَّها تَرعى في هذِهِ الأَرضِ شَوقاً إلى تُربَةِ الفَرخِ المُبارَكِ، وزَعَمَت أنَّها آمِنَةٌ في هذِهِ الأَرضِ.
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إلى هذِهِ الصِّيرانِ، فَشَمَّها، فَقالَ: هذِهِ بَعرُ الظِّباءِ عَلى هذَا الطّيبِ؛ لِمَكانِ حَشيشِها[١]، اللَّهُمَّ أبقِها أبَداً حَتّى يَشُمَّها أبوهُ، فَتَكونَ لَهُ عَزاءً وسَلوَةً، قالَ:
فَبَقِيَت إلى يَومِ النّاسِ هذا، وقَدِ اصفَرَّت لِطولِ زَمَنِها، هذِهِ أرضُ كَربٍ وبَلاءٍ.
وقالَ بِأَعلى صَوتِهِ: يا رَبَّ عيسَى بنِ مَريَمَ، لا تُبارِك في قَتَلَتِهِ، وَالحامِلِ عَلَيهِ، وَالمُعينِ عَلَيهِ، وَالخاذِلِ لَهُ، ثُمَّ بَكى بُكاءً طَويلًا، وبَكَينا مَعَهُ حَتّى سَقَطَ لِوَجهِهِ وغُشِيَ عَلَيهِ طَويلًا، ثُمَّ أفاقَ، فَأَخَذَ البَعرَ، فَصَرَّها في رِدائِهِ، وأمَرَني أن أصُرَّها كَذلِكَ.
ثُمَّ قالَ: يَابنَ عَبّاسٍ، إذا رَأَيتَها تَنفَجِرُ دَماً عَبيطاً فَاعلَم أنَّ أبا عَبدِ اللَّهِ قَد قُتِلَ بِها ودُفِنَ بِها.
قالَ ابنُ عَبّاسٍ: فَوَاللَّهِ، لَقَد كُنتُ أحفَظُها أكثَرَ مِن حِفظي لِبَعضِ مَا افتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأنَا لا أحُلُّها مِن طَرَفِ كُمّي، فَبَينا أنَا فِي البَيتِ نائِمٌ إذِ انتَبَهتُ، فَإِذا هِيَ تَسيلُ دَماً عَبيطاً، وكانَ كُمّي قَدِ امتَلَأَت دَماً عَبيطاً، فَجَلَستُ وأنَا أبكي وقُلتُ: قُتِلَ وَاللَّهِ الحُسَينُ ٧! وَاللَّهِ ما كَذَبَني عَلِيٌّ قَطُّ في حَديثٍ حَدَّثَني، ولا أخبَرَني بِشَيءٍ قَطُّ أنَّهُ يَكونُ إلّاكانَ كَذلِكَ؛ لِأَنَّ رَسولَ اللَّهِ ٦ كانَ يُخبِرُهُ بِأَشياءَ لا يُخبِرُ بِها غَيرَهُ، فَفَزِعتُ وخَرَجتُ، وذلِكَ كانَ عِندَ الفَجرِ، فَرَأَيتُ- وَاللَّهِ- المَدينَةَ كَأَنَّها ضَبابٌ، لا يَستَبينُ فيها أثَرُ عَينٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمسُ، فَرَأَيتُ كَأَنَّها كاسِفَةٌ، ورَأَيتُ كَأَنَّ حيطانَ المَدينَةِ عَلَيها دَمٌ عَبيطٌ، فَجَلَستُ وأنَا باكٍ، وقُلتُ: قَد قُتِلَ وَاللَّهِ الحُسَينُ ٧، فَسَمِعتُ
[١]. في الطبعة المعتمدة:« على هذه الطيب المكان حشيشها»، والتصويب من طبعة بيروت- مؤسّسةالأعلمي.