موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٣
دينَكَ، وغَشَشتَ رَعِيَّتكَ، وأخرَبتَ[١] أمانَتَكَ، وسَمِعتَ مَقالَةَ السَّفيهِ الجاهِلِ، وأخَفتَ الوَرِعَ التَّقِيَّ لِأَجلِهِم، وَالسَّلامُ.
فَلَمّا قَرَأَ مُعاوِيَةُ الكِتابَ، قالَ: لَقَد كانَ في نَفسِهِ ضَبٌ[٢] ما أشعُرُ بِهِ، فَقالَ يَزيدُ:
يا أميرَ المُؤمِنينَ! أجِبهُ جَواباً تُصَغِّرُ إلَيهِ نَفسَهُ، وتَذكُرُ فيهِ أباهُ بِشَيءٍ فَعَلَهُ.
قالَ: ودَخَلَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ، فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ: أما رَأَيتَ ما كَتَبَ بِهِ الحُسَينُ؟ قالَ: وما هُوَ؟ قالَ: فَأَقرَأَهُ الكِتابَ، فَقالَ: وما يَمنَعُكَ أن تُجِيبَهُ بِما يُصَغِّرُ إلَيهِ نَفسَهُ؟ وإنَّما قالَ ذلِكَ في هَوى مُعاوِيَةَ. فَقالَ يَزيدُ: كَيفَ رَأَيتَ يا أميرَ المُؤمِنينَ رَأيي[٣]؟ فَضَحِكَ مُعاوِيَةُ، فَقالَ: أمّا يَزيدُ فَقَد أشارَ عَلَيَّ بِمِثلِ رَأيِكَ، قالَ عَبدُ اللَّهِ:
فَقَد أصابَ يَزيدُ.
فَقالَ مُعاوِيَةُ: أخطَأتُما، أرَأَيتُما لَو أنّي ذَهَبتُ لِعَيبِ عَلِيٍّ مُحِقّاً ما عَسَيتُ أن أقولَ فيهِ؟! ومِثلي لا يُحسِنُ أن يَعيبَ بِالباطِلِ وما لا يَعرِفُ، ومَتى ما عِبتُ بِهِ رَجُلًا بِما لا يَعرِفُهُ النّاسُ، لَم يُخَوَّل[٤] بِهِ صاحِبُهُ ولا يَراهُ النّاسُ شَيئاً وكَذَّبوهُ، وما عَسَيتُ أن أعيبَ حُسَيناً؟! وَاللَّهِ ما أرى لِلعَيبِ فيهِ مَوضِعاً، وقَد رَأَيتُ أن أكتُبَ إلَيهِ أتَوَعَّدُهُ وأتَهَدَّدُهُ، ثُمَّ رَأَيتُ ألّا أفعَلَ ولا أفحَلَهُ[٥].[٦]
[١]. في بحار الأنوار و الاحتجاج:« أخزَيتَ»، وهو الأنسب.
[٢]. الضَبّ: الحِقْد( المصباح المنير: ص ٣٥٧« الضبّ»).
[٣]. أراد يزيد بكلامه هذا أن يُبيّن صواب كلامه من خلال موافقته مع كلام عبد اللَّه.
[٤]. الظاهر أنّ الصواب: لم يُتَخَوَّلَ به. تَخَوَّلَ الرَّجُلَ: تَعَهَّدَهُ( لسان العرب: ج ١٢ ص ٢٢٦« خول»). وفي بحار الأنوار والاحتجاج:« لَم يَحفِل» وهو الأنسب، والمعنى: لَم يُبالِ.
[٥]. في بحار الأنوار:« أمحكه» بدل« أفحله»، والظاهر أنّه الصواب، قال في لسان العرب: ج ١٠ ص ٤٨٦: المَحْكُ: المشادّة والمنازعة في الكلام.
[٦]. رجال الكشّي: ج ١ ص ٢٥٠ ح ٩٧ و ٩٨ و ٩٩، الاحتجاج: ج ٢ ص ٨٩ ح ١٦٤ نحوه،-