موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٥
فلمّا جلس معاوية للناس، تكلّم فعظّم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقّها، وما أمر اللَّه به من طاعة ولاة الأمر، ثمّ ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة، وعرّض ببيعته، فعارضه الضحّاك، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
يا أمير المؤمنين، إنّه لابدّ للناس من والٍ بعدك، وقد بلونا الجماعة والالفة فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء[١]، وآمن للسبل، وخيراً في العاقبة، والأيّام عوج رواجع، واللَّه كلّ يوم هو في شأن، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت، وهو من أفضلنا علماً وحلماً، وأبعدنا رأياً، فولّه عهدك، واجعله لنا علماً بعدك، ومفزعاً نلجأ إليه، ونسكن في ظلّه.
وتكلّم عمرو بن سعيد الأشدق بنحوٍ من ذلك. ثمّ قام يزيد بن المقنع العذري، فقال:
هذا أمير المؤمنين- وأشار إلى معاوية- فإن هلك فهذا- وأشار إلى يزيد- ومَن أبى فهذا- وأشار إلى سيفه-. فقال معاوية: اجلس فأنت سيّد الخطباء. وتكلّم من حضر من الوفود.
فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال:
نخافكم إن صدقنا، ونخاف اللَّه إن كذبنا، وأنت أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره، وسرِّه وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه للَّهتعالى وللُامّة رضىً فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائرٌ إلى الآخرة، وإنّما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا.
وقام رجلٌ من أهل الشام فقال:
ما ندري ما تقول هذه المعديّة العراقيّة، وإنّما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف.
فتفرّق الناس يحكون قول الأحنف. وكان معاوية يعطي المقارب ويُداري المباعد ويلطف به، حتّى استوثق له أكثر الناس وبايعه.[٢]
[١]. الدَّهماء: الفتنة المظلِمة( النهاية: ج ٢ ص ١٤٦« دهم»).
[٢]. العقد الفريد: ج ٣ ص ٣٥٧، الكامل في التاريخ: ج ٢ ص ٥١١.