موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٤
وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة، وقدموا على معاوية فزيّنوا له بيعةَ يزيد ودعَوه إلى عقدها، فقال معاوية: لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم. ثمَّ قال لموسى: بِكَمِ اشترى أبوك من هؤلاء دينَهم؟ قال:
بثلاثين ألفاً، قال: لقد هان عليهم دينُهم!
وقيل: أرسل أربعين رجلًا وجعل عليهم ابنه عروة، فلمّا دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا: إنَّما أشخصهم إليه النظر لُامّة محمّد ٦، وقالوا: يا أمير المؤمنين، كَبِرَت سِنُّك وخِفنَا انتشارَ الحبل فَانصَب لنا عَلَماً، وحدّ لنا حدّاً ننتهي إليه، فقال:
أشيروا عليَّ، فقالوا: نشير بيزيد ابن أمير المؤمنين، فقال: أوَقد رضيتموه؟ قالوا:
نعم، قال: وذلك رأيكم؟ قالوا: نعم، ورأي مَن وراءنا، فقال معاوية لعروة سرّاً عنهم: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بأربعمئة دينار. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً! وقال لهم: ننظر ما قَدِمتُم له، ويقضي اللَّه ما أراد، والأناة خيرٌ من العجلة. فرجعوا.
وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد، فأرسل إلى زياد يستشيره، فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقال له: إنّ لكلّ مستشير ثقة، ولكلّ سرّ مستودع، وإنّ الناس قد أُبدع بهم خصلتان: إذاعة السرّ، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضوع السرّ إلّاأحد رجلين: رجلُ آخرةٍ يرجو ثوابَها، ورجلُ دنيا له شَرَفٌ في نفسه وعقلٌ يصون حَسَبَهُ، وقد خَبَرتُهما منك، وقد دعوتُك لأمرٍ اتّهمتُ عليه بطون الصحف: إنّ أمير المؤمنين كتب يستشيرني في كذا وكذا، وإنّه يتخوّف نفرة الناس، ويرجو طاعتهم، وعلاقةُ أمرِ الإسلام وضمانُه عظيم، ويزيد صاحب رَسْلَة[١] وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد، فالقَ أمير المؤمنين وأدِّ إليه فعلات يزيد، وقل له: رُوَيدَكَ بالأمر، فأحرى لك أن يتمّ لك، لا تعجل؛ فإنّ دَرَكاً[٢] في تأخيرٍ خيرٌ من فوتٍ في عجلة.
[١]. رجلٌ فيه رسلة: أي كسل( لسان العرب: ج ١١ ص ٢٨٣« رسل»).
[٢]. الدرك: اللحاق والوصول إلى الشيء( لسان العرب: ج ١٠ ص ٤٢٠« درك»).