موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٧٩
مُعاوِيَةَ كانَ عَبداً للِهِ مِن عِبادِهِ، أكرَمَهُ اللَّهُ وَاستَخلَفَهُ وخَوَّلَهُ وَمَكَّنَ لَهُ، ثُمَّ قَبَضَهُ إلى رَوحِهِ ورَيحانِهِ وَرحمَتِهِ وغُفرانِهِ، عاشَ بِقَدَرٍ وماتَ بِأَجَلٍ، عاشَ بَرّاً تَقِيّاً وخَرَجَ مِنَ الدُّنيا رَضِيّاً زَكِيّاً، فَنِعمَ الخَليفَةُ كانَ ولا ازَكّيهِ عَلَى اللَّهِ، هُوَ أعلَمُ بِهِ مِنّي، وقَد كانَ عَهِدَ إلَيَّ عَهداً وجَعَلَني لَهُ خَليفَةً مِن بَعدِهِ، وأوصاني أن احارِبَ[١] آلَ أبي تُرابٍ بِآلِ أبي سُفيانَ؛ لأِنَّهُم أنصارُ الحَقِّ وطُلّابُ العَدلِ، فَإِذا وَرَدَ عَلَيكَ كِتابي هذا فَخُذِ البَيعَةَ عَلى أهلِ المَدينَةِ، وَالسَّلامُ.
قالَ: ثُمَّ كَتَبَ إلَيهِ في صَحيفَةٍ صَغيرَةٍ كَأَنَّها اذُنُ فَأرَةٍ: أمّا بَعدُ، فَخُذِ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ وعَبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ وعَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ وعَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ أخذاً عَنيفاً لَيسَت فيهِ رُخصَةٌ؛ فَمَن أبى عَلَيكَ مِنهُم فَاضرِب عُنُقَهُ وَابعَث إلَيَّ بِرَأسِهِ.[٢]
٩٣٩. الإمامة والسياسة عن نافع بن جبير: إنّي بِالشّامِ يَومَ مَوتِ مُعاوِيَةَ، وكانَ يَزيدُ غائِباً، وَاستَخلَفَ مُعاوِيَةُ الضَّحّاكَ بنَ قَيسٍ بَعدَهُ حَتّى يَقدَمَ يَزيدُ ... فَلَمّا قَدِمَ يَزيدُ دِمَشقَ- بَعدَ مَوتِ أبيهِ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ- كَتَبَ إلى خالِدِ بنِ الحَكَمِ[٣] وهُوَ عامِلُ المَدينَةِ:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ مُعاوِيَةَ بنَ أبي سُفيانَ كانَ عَبداً استَخلَفَهُ اللَّهُ عَلَى العِبادِ، ومَكَّنَ لَهُ فِي البِلادِ، وكانَ مِن حادِثِ قَضاءِ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ وتَقَدَّسَت أسماؤُهُ فيهِ ما سَبَقَ فِي الأَوَّلينَ وَالآخِرينَ، لَم يَدفَع عَنهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرسَلٌ، فَعاشَ حَميداً وماتَ سَعيداً، وقَد قَلَّدَنَا اللَّهُ عز و جل ما كانَ إلَيهِ، فَيا لَها مُصيبَةً ما أجَلَّها ونِعمَةً ما أعظَمَها، نَقلَ الخِلافَةِ وفَقدَ الخَليفَةِ، فَنَستَوزِعُهُ الشُّكرَ ونَستَلهِمُهُ الحَمدَ، ونَسأَلُهُ الخِيَرَةَ فِي
[١]. في الطبعة المعتمدة:« أحدث»، والتصويب من طبعة دار الفكر.
[٢]. الفتوح: ج ٥ ص ٩، مقتل الحسين ٧ للخوارزمي: ج ١ ص ١٧٩.
[٣]. كذا، والصحيح:« الوليد بن عتبة بن أبي سفيان».