موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٦
هذِهِ بِعَينِها، ثُمَّ قالَ: أتَعلَمُ ما هذِهِ يَابنَ عَبّاسٍ؟ قالَ: لا يا أميرَ المُؤمِنينَ.
فَقالَ: إنَّ المَسيحَ عيسَى بنَ مَريَمَ ٧ قَد مَرَّ بِهذِهِ الأَرضِ ومَعَهُ الحَوارِيّونَ، فَشَمَّ هذَا البَعرَ كَما شَمَمتُهُ، وأقبَلَت إلَيهِ الظِّباءُ حَتّى وَقَفَت بَينَ يَدَيهِ، فَبَكى عيسى، وبَكى مَعَهُ الحَوارِيّونَ، وهُم لا يَدرونَ لِماذا يَبكي عيسى ٧، فَقالوا: يا روحَ اللَّهِ، ما يُبكيكَ؟ ولِماذَا اختُلِستَ هاهُنا؟
فَقالَ لَهُم: أتَعلَمونَ ما هذِهِ الأَرضُ؟ قالوا: لا يا روحَ اللَّهِ، فَقالَ: هذِهِ أرضٌ يُقتَلُ عَلَيها فَرخُ الرَّسولِ أحمَدَ المُصطَفى، وفَرخُ ابنَتِهِ الزَّهراءِ قَرينَةِ الطّاهِرَةِ البَتولِ مَريَمَ بِنتِ عِمرانَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عيسى إلى بَعرِ الظِّباءِ، فَشَمَّهُ، وقالَ:
يا مَعشَرَ الحَوارِيّينَ، هذا بَعرُ الظِّباءِ عَلى هذَا الطّيبِ؛ لِأَنَّهُ كانَ مِن حَشيشِ هذِهِ الأَرضِ. ثُمَّ مَضى عيسىَ بنُ مَريَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِ، وقَد بَقِيَت هذِهِ البَعَراتُ إلى يَومِنا هذا مِن ذلِكَ الدَّهرِ، حَتّى أنَّها قَدِ اصفَرَّت لِطولِ الزَّمانِ عَلَيها، فهذِهِ أرضُ الكَربِ وَالبَلاءِ.
قالَ: ثُمَّ بَكى عَلِيٌّ ٧ وقالَ: يا رَبِّ عيسى، لا تُبارِك في قاتِلِ وَلَدي وَالعَنهُ لَعناً كَثيراً، ثُمَّ اشتَدَّ بُكاءُ عَلِيٍّ، وبَكَى النّاسُ مَعَهُ حَتّى سَقَطَ عَلى وَجهِهِ، وغُشِيَ عَلَيهِ؛ ثُمَّ أفاقَ، فَوَثَبَ، فَصَلّى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، وسَلَّمَ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ، فَكُلَّما سَلَّمَ جَعَلَ يَتَناوَلُ مِن ذلِكَ البَعرِ فَيَشُمُّهُ، ويَقولُ: صَبراً أبا عَبدِ اللَّهِ، صَبراً يا ثَمَرَةَ رَسولِ اللَّهِ ٦ ورَيحانَةَ حَبيبِ اللَّهِ، ثُمَّ أخَذَ كَفّاً مِن ذلِكَ البَعرِ، فَصَرَّهُ في ثَوبِهِ، وقالَ: لا يَزالُ هذا مَصروراً أبَداً أو يَأتِيَ عَلَيَّ أجَلي.
ثُمَّ قالَ: يَابنَ عَبّاسٍ! إذا رَأَيتَها مِن بَعدي وهِيَ تَسيلُ دَماً عَبيطاً، فَاعلَم أنَّ أبا عَبدِ اللَّهِ قَد قُتِلَ.
قالَ ابنُ عَبّاسٍ: فَوَ اللَّهِ، لَقَد كُنتُ أشَدَّ تَحافُظاً لَها بَعدَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ٧