موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٠
فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد، وأبى عبداللَّه بن عمر فأخرجت جائزة بني عديّ، فما لنا إن أبى صاحبنا وقد أبى صاحب غيرنا؟
فقال معاوية: لستم كغيركم، لا واللَّه لا اعطيكم درهماً حتّى يبايع صاحبكم.
فقال ابن عبّاس:
أما واللَّه لئن لم تفعل لُالحقنّ بساحل من سواحل الشام، ثمّ لأقولنّ ما تعلم، واللَّه لأتركنّهم عليك خوارج.
فقال معاوية: لا بل اعطيكم جوائزكم، فبعث بها من الروحاء، ومضى راجعاً إلى الشام.[١]
قال الأميني: إنّ المستشفّ لحقيقة الحال من أمر هذه البيعة الغاشمة جدّ عليم أنّها تمّت برواعد الإرهاب، وبوارق التطميع، وعوامل البهت والافتراء، فيرى معاوية يتوعّد هذا، ويقتل ذاك، ويولّي آخر على المدن والأمصار ويجعلها طعمة له، ويدرّ من رضائخه[٢] على النفوس الواطئة ذوات الملكات الرذيلة. وفي القوم مَن لا يؤثّر فيه شيء من ذلك كلّه، غير أنّه لا رأي لمن لا يطاع، لكنّ إمام الهدى، وسبط النبوّة، ورمز الشهادة والإباء لم يفتأ بعد ذلك كلّه مصحراً بالحقيقة، ومصارحاً بالحقّ، وداحضاً للباطل مع كلّ تلكم الحنادس[٣] المدلهمّة، أصغت إليه اذنٌ أم لا، وصغى إلى قيله أحد أو أعرض.
فقام بواجب الموقف رافعاً عقيرته بما تستدعيه الحالة، ويوجبه النظر في صالح المسلمين، ولم يثنه اختلاق معاوية عليه وعلى مَن وافقه في شيءٍ من الأمر، ولا ما أعدّه لهم من التوعيد والإرجاف بهم.
ولم تك تأخذه في اللَّه لومة لائم، حتّى لفظ معاوية نفسه الأخير رمزاً للخزاية
[١]. الإمامة والسياسة: ج ١ ص ٢١٢.
[٢]. الرضخ: العطية القليلة( النهاية: ج ٢ ص ٢٢٨« رضخ»).
[٣]. الحندس: الليل الشديد الظلمة( الصحاح: ج ٣ ص ٩١٦« حدس»).