موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤١
ودَع عَنكَ ما تُحاوِلُ، فَما أغناكَ أن تَلقَى اللَّهَ بِوِزرِ هذَا الخَلقِ بِأَكثَرَ مِمّا أنتَ لاقيهِ، فَوَاللَّهِ ما بَرِحتَ تُقَدِّرُ[١] باطِلًا فى جَورٍ، وحَنَقاً في ظُلمٍ، حَتّى مَلَأتَ الأَسقِيَةَ، وما بَينَكَ وبَينَ المَوتِ إلّاغَمضَةٌ، فَتَقدَمُ عَلى عَمَلٍ مَحفوظٍ في يَومٍ مَشهودٍ، ولاتَ حينَ مَناصٍ[٢].
ورَأَيتُكَ عَرَضتَ بِنا بَعدَ هذَا الأَمرِ، ومَنَعتَنا عَن آبائِنا [تُراثاً][٣]، ولَقَد- لَعَمرُ اللَّهِ- أورَثَنَا الرَّسولُ ٧ وِلادَةً وجِئتَ لَنا بِها، ما[٤] حَجَجتُم بِهِ القائِمَ عِندَ مَوتِ الرَّسولِ فَأَذعَنَ لِلحُجَّةِ بِذلِكَ، ورَدَّهُ الإِيمانُ إلَى النَّصَفِ، فَرَكِبتُمُ الأَعاليلَ، وفَعَلتُمُ الأَفاعيلَ، وقُلتُم: كانَ ويَكونُ، حَتّى أتاكَ الأَمرُ- يا مُعاوِيَةُ- مِن طَريقٍ كانَ قَصدُها لِغَيرِكَ، فَهُناكَ «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ»[٥].
وذَكَرتَ قِيادَةَ الرَّجُلِ القَومَ بِعَهدِ رَسولِ اللَّهِ ٦ وتَأميرَهُ لَهُ، وقَد كانَ ذلِكَ ولِعَمرِو بنِ العاصِ يَومَئِذٍ فَضيلَةٌ بِصُحبَةِ الرَّسولِ وبَيعَتِهِ لَهُ، وما صارَ لِعَمرٍو يَومَئِذٍ حَتّى أنِفَ القَومُ إمرَتَهُ وكَرِهوا تَقديمَهُ، وعَدّوا عَلَيهِ أفعالَهُ، فَقالَ ٦: «لا جَرَمَ مَعشَرَ المُهاجِرينَ، لا يَعمَلُ عَلَيكُم بَعدَ اليَومِ غَيري»، فَكَيفَ تَحتَجُّ بِالمَنسوخِ مِن فِعلِ الرَّسولِ في أوكَدِ الأَحوالِ وأولاها بِالمُجتَمَعِ عَلَيهِ مِنَ الصَّوابِ؟ أم كَيفَ صاحَبتَ بِصاحِبٍ تابِعٍ وحَولَكَ مَن لا يُؤمَنُ في صُحبَتِهِ، ولا يُعتَمَدُ في دينِهِ وقَرابَتِهِ، وتَتَخَطّاهُم إلى مُسرِفٍ مَفتونٍ، تُريدُ أن تَلبِسَ النّاسَ شُبهَةً يَسعَدُ بِهَا الباقي في دُنياهُ وتَشقى بِها في آخِرَتِكَ، إنَّ هذا لَهُوَ الخُسرانُ المُبينُ، وَأستَغفِرُ اللَّهَ لي ولَكُم.
فنظر معاوية إلى ابن عبّاس، فقال: ما هذا يابن عبّاس؟ ولما عندك أدهى وأمرّ.
فقال ابن عبّاس:
[١]. في الإمامة والسياسة:« تَقدَحُ» بدل« تقدّر».
[٢]. ولات حين مناص: أي ليس وقت تأخّر وفِرار( الصحاح: ج ٣ ص ١٠٦٠« نوص»).
[٣]. ما بين المعقوفين أثبتناه من الإمامة والسياسة.
[٤]. في الإمامة والسياسة:« أما» بدل« ما».
[٥]. الحشر: ٢.