موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٨
وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فخلا به، قال: بأيّ يدٍ أو رجل تقدم على معصيتي؟ فقال عبد الرحمن: أرجو أن يكون ذلك خيراً لي. فقال معاوية: واللَّه، لقد هممت أن أقتلك! فقال: لو فعلت لأتبعك اللَّه في الدنيا ولأدخلك في الآخرة النار.
ثمّ خرج.
بقي معاوية يومه ذلك يُعطي الخواصّ. ويُدني بذمّة الناس[١]. فلمّا كان صبيحة اليوم الثاني، أمر بفراشٍ فوضع له، وسوّيت مقاعد الخاصّة حوله وتلقاءه من أهله، ثمّ خرج وعليه حلّةٌ يمانيّةٌ وعمامةٌ دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه، وقد تغلّف[٢] وتعطّر، فقعد على سريره وأجلس كتّابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من النّاس وإن قرب.
ثمّ أرسل إلى الحسين بن عليّ ٧ وعبداللَّه بن عبّاس، فسبق ابن عبّاس، فلمّا دخل وسلّم عليه أقعده في الفراش على يساره، فحادثه مليّاً، ثمّ قال:
يابن عبّاس، لقد وفّر اللَّه حظّكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرّسول ٦، فقال ابن عبّاس: نعم أصلح اللَّه أمير المؤمنين! وحظّنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكلّ أوفر.
فجعل معاوية يحدّثه ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر الأعمار[٣] على اختلاف الغرائز والطبائع، حتّى أقبل الحسين بن عليّ ٧، فلمّا رآه معاوية جمع له وسادة كانت عن يمينه، فدخل الحسين ٧ وسلّم، فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة، فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن ٧ وأسنانهم، فأخبره ثمّ سكت، ثمّ ابتدأ معاوية فقال:
[١]. كذا، وفي الإمامة والسياسة:« ويعصي مذمّة الناس».
[٢]. يقال: تَغَلَّلتُ وتَغَلَّفتُ وتَغَلَّيتُ؛ كلّه مِن الغالية، وهو نوع من الطيب مركّب من مِسكٍ وعنبرٍ وعودٍودُهن. والتغلّف بها: التلطّخ( لسان العرب: ج ١٥ ص ١٣٤« غلا»).
[٣]. في الإمامة والسياسة:« ذكر الأعمال».