منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٨٧ - المعنى
الترّوي في الامر و ايقاع الرأى فيه من جدّ و اجتهاد و (العالم) الذي يعلم وجه المصلحة في الامور و يكون فيها على بصيرة و (المجرّب) الذي حصلت له التّجارب فكان رأيه و قوله أغلب الاصابة للواقع (تورث الحسرة و تعقب النّدامة).
إذا المشير الموصوف بالصفات الاربع المذكورة يكون رأيه أغلب المطابقة مع الواقع فاطاعة المستشير له موجبة لظفره على المقصود و وصوله إلى مطلوبه و مخالفته مفوّتة للغرض معقّبة للحسرة خصوصا إذا كان المشير مثله ٧ المتّصف بالعلم اللدنى المطابق رأيه للواقع دائما يكون معصية معقّبة للنّدامة ألبتّة و موقعة في الضّلالة لا محالة.
و لذلك أردف ٧ كلامه بالاشارة إلى خطائهم في أمر الحكومة النّاشي من مخالفتهم له و إبائهم عن امتثال أمره فقال: (و قد كنت أمرتكم في هذه الحكومة امرى) الصّواب (و نخلت لكم مخزون رأيي) المصاب (لو كان يطاع لقصير أمر) لما حصلت الحسرة و النّدامة و قصير هذا هو قصير بن سعد مولى جزيمة الابرش من ملوك العرب.
روى انّ جزيمة قتل أبا الزّباء ملكة الجزيرة، فبعث إليه عن حين ليتزوّج بها خدعة و سألته القدوم عليها فأجابها إلى ذلك و خرج فى ألف فارس و خلف باقي جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدي، و أشار قصير الى جزيمة أن لا يتوجه إليها فلم يقبل رأيه فلما قرب جزيمة من الجزيرة استقبله جنود الزباء بالعدة و لم ير منهم إكراما له فأشار قصير إليه بالرّجوع عنها و قال إنّها امرأة و من شان النسّاء الغدر فلم يقبل فلما دخل عليها غدرت به و قتلته فعند ذلك قال قصير: لا يطاع لقصير أمر فيضرب به المثل لكلّ ناصح عصي و هو مصيب في رأيه.
(فأبيتم علىّ اباء المخالفين الجفاة و المنابذين العصاة حتّى ارتاب الناصح بنصحه) هذا محمول على المبالغة لما ذكرنا من أنّه ٧ متّصف بالعلم اللدنّي فلا يمكن شكه فيما رآه صوابا، و يشهد بذلك قوله ٧ في الخطبة الرابعة ما شككت في الحقّ مذ رأيته، و قوله ٧ في الخطبة العاشرة: و إنّ معي لبصيرتي ما لبّست على نفسي