منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٥٦ - المعنى
و ملاحظة جلاله عارفا بأنّ المسير و المنقلب إليه سبحانه، يكون الحسّ تابعا له لا محالة لكونه رئيس الأعضاء و الحواسّ، فلا يكون له حينئذ التفات إلى الغير و توجه من طريقه إلى أمر آخر (و أراق دموعهم خوف المحشر) و هول المطلع فانّ بين الجنّة و النّار عقبة لا يجوزها إلّا البكاءون من خشية اللّه كما رواه في عدّة الدّاعي و فيه أيضا عن الصادق ٧ كلّ عين باكية يوم القيامة إلّا ثلاث عيون: عين غضّت عن محارم اللّه، و عين سهرت في طاعة اللّه، و عين بكت في جوف الليل من خشية اللّه.
و عنه ٧ ما من شيء إلّا و له كيل أو وزن إلّا الدّموع فانّ القطرة يطفي بحارا من النّار، فاذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق[١] قتر و لا ذلّة، فاذا فاضت حرّمه اللّه على النّار و لو أنّ باكيابكى في امّة لرحموا.
و عن رسول اللّه ٦ إذا أحبّ اللّه عبدا نصب في قلبه نائحة من الحزن فانّ اللّه يحبّ كلّ قلب حزين و أنّه لا يدخل النّار من بكى من خشية اللّه تعالى حتّى يعود اللّبن إلى الضّرع، و أنّه لا يجتمع غبار في سبيل اللّه و دخان جهنّم في منخري مؤمن أبدا و إذا أبغض اللّه عبدا جعل قلبه مزارا «مزمارا» من الضّحك و إنّ الضّحك يميت القلب و اللّه لا يحبّ الفرحين.
و كيف كان (فهم بين شريد نادّ) أى نافر عن الخلق و منفرد عنهم و متوّحش منهم إمّا لكثرة أذى الظالمين في الأوطان، لانكاره المنكر أو لقلّة صبره على مشاهدة المنكرات (و خائف مقموع و ساكت مكعوم) كان التّقية سدّت فاه من الكلام (وداع مخلص) للّه في دعائه (و ثكلان موجع) إمّا لمصابه في الدّين أو من كثرة أذى الظالمين.
و في البحار و لعلّ المعنى أنّ بعضهم ترك الأوطان أو مجامع النّاس لما ذكر، و بعضهم لم يترك ذلك و ينكر منكرا، ثمّ يخاف ممّا يجرى عليه بعد ذلك و منهم من هو بينهم و لا ينهاهم تقيّة و معرض عنهم و مشتغل بالدّعاء، و منهم من هو
[١] رهقه بالكسر اى غشيه.