منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨٢ - المعنى
له، و محصّل دفع ذلك التّوهّم أنّ عدم الرّؤية لا يستلزم الانكار، إذ آيات القدرة و علامات المقدرة و آثار العظمة من الآفاق و الأنفس شاهد حقّ على وجوده و برهان صدق على ذاته، فكيف يمكن مع هذه الآيات الظاهرة و البراهين الساطعة الانكار بمجرّد عدم الابصار، مضافا إلى أنّ حظّ العين أن يدرك بها ما صحّ إدراكه فأمّا أن ينفى بها ما لا يدرك من جهتها فلا، و يأتي تحقيق الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الرّابعة و الستّين إنشاء اللّه تعالى.
و الثانية مجاز من باب اطلاق اسم الملزوم على اللّازم قوله ٧: (و لا قلب من أثبته يبصره) مريدا بذلك تاكيد امتناع الاحاطة به و بيان عجز العقول عن الوصول إلى كنه حقيقته، فانّ معنى الابصار هو الادراك على وجه الاكتناه، فالمقصود أنّ المثبت لا يمكن له أن يعرفه بقلبه معرفة ضروريّة و أن يحيط به إحاطة تامّة.
و لمّا كان الابصار حقيقة في الرّؤية بالعين المستلزمة للاحاطة بالعلم و العرفان الضّروري فاطلق لفظ يبصر و اريد به ذلك مجازا من باب اطلاق اسم الملزوم على اللّازم.
بيان ذلك أنّ اثباته تعالى بالقلب الّذي هو عبارة اخرى عن الايمان به ممّا يضعف و يشتدّ و ينقص و يكمل و يكون في مبدء اكتسابه ضعيفا ناقصا، ثمّ يتدرج بمزاولة الأفكار و الأعمال و يشتدّ شيئا فشيئا و يستكمل قليلا قليلا كما يقع للفحم بمجاورة النّار يتسخّن أوّلا تسخّنا قليلا، ثمّ يشتدّ تسخّنه حتّى يحمرّ، ثمّ يتنوّر ثمّ يضيء و يحرق، و يفعل كما يفعله النّار من التّسخين و الاضائة و الاحراق، فهكذا يشتدّ نور العلم و قوّة الايمان حتّى يصير العلم عينا، و الايمان عيانا، و المعرفة تنقلب مشاهدة و لهذا قيل إنّ المعرفة بذر المشاهدة.
و لكن يجب أن يعلم أنّ العلم إذا صار عينا لم يصرعينا محسوسا، و أنّ المعرفة إذا انقلب مشاهدة لم ينقلب مشاهدة بصرّية حسية لأن الحسّ و المحسوس نوع مضاد للعقل و المعقول لا يمكن لشيء من أفراد أحد النّوعين المضادّين أن ينتهى في مراتب استكمالاته و اشتداداته إلى شيء من أفراد النّوع الآخر فالابصار إذا اشتدّ لا يصير