منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠٩ - هداية فيها دراية
وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ يقول عزّ و جلّ أتاك عبدى تائبا فطردته فأين يذهب و إلى من يقصد و من يسأل أن يغفر له ذنبه غيرى ثمّ قال عزّ و جلّ:
وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ.
يقول اللّه عزّ و جلّ لم يقيموا على الزّنا و نبش القبور و أخذ الأكفان:
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ فلما نزلت هذه الآية على رسول اللّه ٦ خرج و هو يتلوها و يتبسّم، فقال لأصحابه من يدلّني على ذلك الشّاب التائب؟ فقال معاذ: يا رسول اللّه بلغنا أنّه في موضع كذا و كذا، فمضى رسول اللّه بأصحابه حتّى انتهوا إلى ذلك الجبل و صعدوا إليه يطلبون الشّاب، فاذا هم بالشّاب قائم بين صخرتين مغلولة يداه إلى عنقه قد اسودّ وجهه و تساقطت أشفار عينيه من البكاء و هو يقول:
سيدى قد أحسنت خلقي و أحسنت صورتى و ليت شعري ما ذا تريد بى، في النّار تحرقنى أم في جوارك تسكنني، اللهمّ إنك قد أكثرت الاحسان إلىّ و أنعمت علىّ فليت شعرى ما ذا يكون آخر أمري، إلى الجنّة تزفّني، أم إلى النّار تسوقني، اللهمّ إنّ خطيئتى أعظم من السّماوات و الأرض، و من كرسّيك الواسع، و عرشك العظيم، فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة.
فلم يزل يقول نحو هذا و هو يبكي و يحثو التّراب على رأسه و قد أحاطت به السّباع، و صفت فوقه الطير و هم يبكون لبكائه، فدنا رسول اللّه ٦ فأطلق يديه من عنقه و نفض التراب عن رأسه و قال: يا بهلول ابشر فانك عتيق من النّار، ثمّ قال هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول، ثمّ تلى عليه ما أنزل اللّه عزّ و جلّ و بشّره بالجنّة.