منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٨٣ - المعنى
فان قلت: إذا كان علّة المنع من قتل الخوارج بعده هو عدم كونهم بالذّات طالبين للباطل، فهذه العلّة بعينها كانت موجودة في زمانه فلم قاتلهم و قتلهم؟
قلت: أجاب الشّارح البحراني بأنّه نهى عن قتلهم على تقدير لزوم كل منهم نفسه و اشتغالهم بها و استتارهم في بيوتهم، و هو إنّما قتلهم من حيث إنّهم أفسدوا في الأرض و سفكوا الدّم الحرام و قتلوا جماعة من الصّالحين كعبد اللّه بن خباب، و شقوا بطن امرأته و دعوا النّاس إلى بدعتهم، و مع ذلك كان يقول لأصحابه:
لا تبدءوهم بالقتال حتّى يبدؤكم، و لم يشرع في قتلهم حتّى بدءوا بقتل جماعة من أصحابه.
قال: و يحتمل أن يقال: إنّه إنّما قتلهم لأنّه إمام عادل رأى الحقّ في ذلك و إنّما نهى عن قتلهم بعده لأنّه علم أنّه لا يلي هذا الأمر بعده من له بحكم الشريعة أن يقتل و يتولّى الحدود.
أقول: و التّحقيق في الجواب ما ذكره في البحار تبعا للشّارح المعتزلي حيث قال: لعلّ المراد لا تقتلوا الخوارج بعدى ما دام ملك معاوية و أضرابه كما يظهر من التّعليل، و قد كان يسبّه ٧ و يبرء منه في الجمع و الأعياد و لم يكن إنكاره للحقّ عن شبهة كالخوارج، و لم يظهر منهم من الفسوق ما ظهر منه و لم يكن مجتهدا في العبادة و حفظ قوانين الشّرع مثلهم، فكان أولى بالجهاد، انتهى.
و يدلّ على ذلك ما رواه أبو العباس المبرّد قال: و خرج من الخوارج على معاوية بعد قتل عليّ حوثرة الأسدى و حابس الطائي خرجا في جمعهما فصارا إلى موضع أصحاب النّخيلة و معاوية يومئذ بالكوفة و قد دخلها في عام الجماعة، و وفد الحسن بن عليّ و خرج يزيد المدينة فوجه إليه معاوية و قد تجاوز في طريقه يسأله أن يكون المتولي لمحاربة الخوارج فكان جواب الحسن: و اللّه لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين[١] و ذاك يسعني، أفا قاتل عنك قوما أنت و اللّه أولى بالقتل منهم
[١] البياض كان في اصل الرواية و الظاهر انه سقط هنا شيء و لعلّ اصل الكلام و ليس ذاك يسعني و اللّه العالم، منه.