منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦١ - تنبيه و تحقيق
مع أنّه قد ورد في أخبار كثيرة: لا تقولوا فينا ربا و قولوا ما شئتم و لن تبلغوا و ورد أنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان، و ورد لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله و غير ذلك فلا بدّ من المتديّن أن لا يباد ربردّ ما ورد عنهم من فضايلهم و معجزاتهم و معالي أمورهم إلّا إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة، انتهى كلامه رفع مقامه و هو كاف في تحقيق المقام و توضيح المرام و ما ذكره (ره) هي الجادّة الوسطى و النّمط الأوسط و الصّراط المستقيم الذي ينبغي سلوكه و المذهب الحقّ الواجب أخذه و لزومه، فالرّاغب عنه مارق و اللّازم له لاحق و المقصّر فيه زاهق و أما التفويض فالوارد في الأخبار الكثيرة المنع من القول به، و قد أكثروا فيها من ذمّ المفوّضة و تكذيبهم و التّبرّى منهم و من ذلك ذهب جمع من الاصحاب إلى نفيه و المنع من القول به، و لكن الانصاف أنّ القول بالمنع مطلقا تفريط، كما أنّ القول بثبوته مطلقا إفراط إذ الأخبار في طرفى المنع و الثّبوت بالغة حدّ الاستفاضة لو لم تبلغ حدّ التواتر، فالعمل باحدى الطائفتين و طرح الطايفة الأخرى بالمرّة و إسقاطها عن درجة الاعتبار غير ممكن، فاللازم الأخذ بكلّ منهما في الجملة، و مقتضاه القول بالتفصيل في المسألة و يظهر ذلك برسم وجوه التّفويض فأقول و باللّه التّوفيق إنّ التفويض عبارة عن تسليم الأمر إلى الخلق و ردّه إليه، و هو على وجهين أحدهما تفويض أمور الخلق إلى أنفسهم، و هو الذي قال به القدرية و يقال لها المفوّضة أيضا و محصّل ما ذهبوا إليه أنّ اللّه أوجد العباد و أقدرهم على أفعالهم و فوّض إليهم الاختيار فهم مستقلّون بايجادها على وفق مشيّتهم و ارادتهم و طبق قدرتهم من دون أن يكون له سبحانه تأثير فيها بوجه من الوجوه، و بازاء هؤلاء الجماعة جماعة أخرى ذهبت إلى أن لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه فيفعل ما يشاء و يحكم ما يريد لا علّة لفعله و لا رادّ لقضائه و هذان الفريقان واقعان في طرفي التّضادّ، أحدهما يسمّى بالقدريّة و الآخر