منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨٦ - و منها الغناء و الرقص و التصفيق
تريدهم الدّنيا فيفرّون منها فرارك من الاسد.
و ترى هؤلاء يضيّعون العمر فيما يلبّسونه لغاية انقياد العوام إليهم ليبلغ ذلك الأكابر و الحكام و يشيع خبرهم فيصلون بهم و بخدمتهم و يجعلون ذلك وسيلة إلى التقرّب إليهم و جلبا لقلوبهم و سببا إلى التردّد إليهم، و مع ذلك يتوقّعون منهم و يأخذون منهم الأموال و ربّما تعزّز بعضهم بعدم قبول اليسير شركا لوقوع الكثير أو حبّا لثبات الجاه و بقاء الميل إليهم.
و لو كان تركهم الدّنيا للّه و للاخرة لم يكن شيء من ذلك و لعملوا:
بقول رسول اللّه ٦: لا يستكمل العبد الايمان حتّى يكون قلّة الشيء أحب إليه من كثرته و حتى يكون أن لا يعرف أحبّ إليه من أن يعرف.
و بقول الباقر ٧ في وصيّته لجابر: اغتنم من أهل زمانك خمسا: إن حضرت لم تعرف، و إن غبت لم تفتقد، و إن شهدت لم تشاور، و ان قلت لم يقبل قولك، و إن خطبت لم تزوّج الحديث و هو طويل و هذا و أمثاله هو الزّهد و التقوى كما قيل:
|
هذى المكارم لا قعبان من لبن |
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا |
|
ثمّ وصل الأمر إلى أن صار التّصوف غير مشروط بالعلم و لو بعلمهم الذي يدّعونه، بل بمجرّد تغيير اللّباس المتعارف عند أكثر النّاس، و تلبيس الظاهر بذلك و ترك الباطن إمّا فارغا ممّا ينبغي أو مملوا ممّا يعلمه اللّه و صار من زهده و صلاحه بطريق الشّريعة ممقوتا عندهم و ما ذاك الّا أنّه لو سئل لقال قال رسول اللّه و قال أمير المؤمنين و غيرهما، و هم يدّعون أنّهم يقولون قال اللّه من غير واسطة، و قد يقول بعضهم قال الرّسول و لكن بدعوى مشافهته له و ان كان بينهما ألف سنة فما زاد فيلبّس أنّه رآه في صورة المثال و كذلك الأئمة : و أنّهم يسألونهم عن كلّ ما يريدون و نحو ذلك من الخرافات الّتي لا تقبلها عقول المجانين.
نعم لا يبعد أنّ الشّياطين تترائى لهم في صور مختلفة أو أنّه يحصل لهم خبط و تغيّر مزاج بحيث يرون ما يوهم مثل ما يدّعون و قد ينضمّ إلى ذلك استعمال بعض المغيّرات للمزاج الباعثة على مثل ذلك