منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٤٧ - فمنها اعتقادهم بالحلول و الاتحاد
بالعقول المتعارفة بل بالرياضة و المجاهدة و بطور وراء طور العقل، و هو فناء السالك في سلوكه من نفسه و عقله و من جميع المعقولات و الموهومات فضلا عن المحسوسات و قصره همته في التوجّه الى الحقّ و ذكره له بلسانه و قلبه بحيث لا يخطر بقلبه سواه و لا يبقى في قلبه غيره حتى يغيب عن نفسه حال ملاحظته لجلال اللّه، و إن لاحظها فمن حيث هى لاحظه لا من حيث هى مزّينة بزينة الحقّ، بل لا يكون الذّكر أيضا ملحوظا فضلا عن الذّاكر.
قال: و إذا داوم السّالك على ذلك يفيض عليه نور من أنوار الالهيّة يشاهد به حقايق الأشياء على ما هى عليها كما يشاهد المحسوسات بحسّ البصر.
قال: و نحن اعتقدنا بامكان صدق هذه الدّعوى بحسن ظنّنا بالسلف، و ليس المراد بهذا النّور المذكور نور يفاض عليه من الخارج، بل نور مودع في نفس الانسان ذواته، و الغرض من الرّياضة و المجاهدة تصفيته و تجليته من الأكدار الطبيعية و الحسيّة و الخيالية و الوهميّة، و إذا حصلت التصفية و التّجلية بالرّياضات العلمية و العملية و الاعتقاد بالعقايد الحقّة صار هذا النّور من القوّة إلى الفعل، و يرى به الأشياء و يشاهدها بعين اليقين، اللّهم بلّغنا إلى ذلك المقام العالى باخراجنا عن هذا المنزل الفانى البالى، انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه.
و قد سلك هذا المسلك صدر المتألهين و صرّح به في كتبه الكلاميّة و غيرها في موارد كثيرة.
قال في الفصل الأوّل من إلهيّات الأسفار الذى ساقه لاثبات وجود الواجب تعالى و الوصول إلى معرفة ذاته ما هذه عبارته:
اعلم أنّ الطرق إلى اللّه كثيرة لكن بعضها أوثق و أشرف و أنور من بعض، و أسدّ البراهين و أشرفها هو الذى لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود، و هذه سبيل الصديقين الذين يستشهدون بذاته على صفاته و بصفاته على أفعاله واحدا بعد واحد.
و ذلك لأنّ الرّبانيّين ينظرون إلى الوجود و يحقّقونه و يعلمون أنّه أصل