منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٩ - الثالث أن الواجب تعالى وجوده تام فوق التمام
عن الماهيّة لا يحكم عليهما بحكم لما عرفت من أنّهما تحليليّان لا أمران متغايران، فالشدّة و الضّعف إنّما تعرضان الوجود التحقيقي الواجد للماهيّة، لا المتسلخ عنها فالماهيّة يشتدّ وجودها المنظّم اليها و ما نسجته هذه الطايفة من أنّ الوجود هو الحقّ و أنّ الماهيات مظاهر و مجالى و أنّ الاختلاف إنّما هو في الدّرجات التجلّي بحسب القرب و البعد و قلّة الوسايط و كثرتها، ممّا ليس له معني محصّل.
و بالجملة فقد تحصّل ممّا ذكرنا كلّه أنّ وجوده تعالى مغاير لوجود غيره مباين له، و اتّصافه بالوجود ليس كاتّصاف غيره به إذ الوجود الّذى له تامّ فوق التّمام و اتّصافه به بمعني أجلّ و أشرف و أعلى من أن يبلغه العقول و الأوهام كما قال أمير المؤمنين ٧ في الفصل الثاني من الخطبة الاولى: الّذى لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن.
بل قد قال بعض المحقّقين: إنّ وصفه تعالى بالوجود من ضيق العبارة، و إنّ معنى قولنا إنّه موجود إنّه ليس بعدم و لا معدوم فيكون مرجع اتّصافه به إلى سلب العدم عنه لا اثبات الوجود الّذى هو نقيض العدم له، فانّه تعالى منزّه عن ذلك، لأنّ الوجود الذى هو نقيضه حدّ له واقع في طرفه و قباله.
كما يتّضح ذلك بقولنا مثلا خرج الشيء من العدم إلى الوجود و من الوجود إلى العدم، فانّ الوجود و العدم متناقضان متقابلان صار كلّ منهما حدّا للاخر و في قباله و طرفه، و اللّه سبحانه لما كان منزّها عن الحدود لا يمكن اتّصافه بالوجود الذى هو حدّ العدم و طرفه.
و يوضح ذلك قوله ٧ في المختار المأة و الخامس و الثمانين: سبق الأوقات كونه و العدم وجوده، و أيضا الوجود الذى هو نقيض العدم إنما يتصوّر فيما يتصوّر فيه العدم كالماهيات و اللّه عزّ و جلّ منزّه عن الماهيّة و عن عوارضها.
و الحاصل أنّ وصفه بالوجود كوصفه بساير أوصاف الجمال مثل قولنا: إنه عالم أى ليس بجاهل، و قادر أى ليس بعاجز، و هكذا.