منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٨ - و منها منعهم من طلب الرزق
تارك الطلب لا يستجاب له إنّ قوما من أصحاب رسول اللّه ٦ لما نزلت: وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ أغلقوا الأبواب و أقبلوا علي العبادة و قالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك النبي ٦ فأرسل إليهم فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول اللّه تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال:
إنّه من فعل ذلك لم يستجب له عليكم بالطلب.
و الأخبار في هذا المعنى كثيرة جدّا لا حاجة اليها، و نعم ما قيل: الزّهد في الدّنيا قصر الأمل لا لبس العبا، و ليس الزّاهد من لا يملك شيئا و لكنّه الذى لا يملكه شيء، و إنّ الدّراهم مراهم لأنّها تداوى كلّ جريح و يشترى بها الاخرة كما يشترى بها الدّنيا.
إذا عرفت ذلك فاستمع لما نحكيه عليك من عجيب مزخرفات ابن العربي في فتوحاته، قال في محكى كلامه من الباب التّاسع و العشرين من الفتوحات.
كلّ عبد إلهىّ توجّه لأحد عليه حقّ من المخلوقين فقد نقص من عبوديته للّه سبحانه بقدر ذلك الحقّ فان ذلك المخلوق يطلبه بحقّه و له عليه سلطان فلا يكون عبدا مخلصا للّه، و هذا هو الّذى يرجّح عند المنقطعين إلى اللّه انقطاعهم عن الخلق و لزومهم السّياحات و لزومهم البرارى و السّواحل و الفرار من النّاس و الخروج من ملك الحيوان، فانّهم يريدون الحرّيّة من جميع الأكوان و لقيت منهم جماعة كثيرة فى أيّام سياحتى.
و من الزّمان الّذى حصل لى هذا المقام ما ملكت حيوانا أصلا و لا الثّوب الّذى ألبسه فانّى لا ألبسه إلّا عارية لشخص معيّن أذن لى في التّصرف فيه، و الزّمان الذى أتملّك الشيء فيه أخرج عنه ذلك الوقت إمّا بالهبة أو بالعتق إن كان ممّا يعتق.
و هذا حصل لى لمّا أراد التحقّق بعبوديّة الاختصاص للّه.
قيل لى: لا يصحّ ذلك حتّى لا يقوم لأحد عليك حجّة.
قلت: لا و اللّه و لا للّه إنشاء اللّه.
قيل لى: و كيف يصحّ أن لا يقوم للّه عليك حجّة؟