رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٤٤ - بداية الرحلة إلى الحجاز مع ركب الحج العثماني
تزاد بعض الحروف في بعض النسب، و بها خان كبير يسع الآلاف معد لنزول الحجاج إذا صادفوا فصل الشتاء و الثلج لأن هذه البلاد كثيرة البرد، و في هذه البلاد التي مررنا بها خانات كثيرة لأجل ما ذكر.
و عند الاصفرار سافرنا من هذه القرية في أرض- ١٠١- مثل الأرض المتقدمة غبارا و عجاجا و نباتا إلى أن طلعت الشمس علينا بقرب قرية يقال لها أركله وصلناها على إحدى عشرة ساعة، و هي قرية كبيرة ذات بساتين و أرواض و أزهار و جداول و أنهار و أغصان و أطيار، فلو ترى الجداول بين الخيام تدور كأنها صل مذعور، و يسمونها نعني القرية بلسان الترك كتك شام بتاء مشوبة بشين، المعنى الشام الصغير لكثرة مياهها و أنهارها
و أغصانها و أشجارها. ثم رحلنا منها قرب المغرب و سرنا الليل كله في أرض صحراء و نزلنا بعد الفجر على ماء يقال له وادي قشلة وصلناه على تسع ساعات، و بهذا الموضع خان عظيم يسع الآلاف و به مسجد بداخله فيه منبر الخطبة و بخارجه مسجد آخر و لم يكمل بناؤه، و هو مؤسس بقرب ضيعة بني بقصد نزول الحجاج إذا صادفوا وقت الشتاء و الطين و الثلج، و هو في غاية الضخامة محكم البناء بالحجارة العظيمة المنحوتة وثيق أبواب الغلق، رحم الله بانيه و أثابه و أكرم مئابه، و يسمى بلغة الترك ألن قشلة و القشلة بلغتهم هي الموضع الذي ينزل به العسكر، و قد رأيت منها بالقسطنطينة عدة مواضع يسمونها القشلات تنزلها العساكر إذا قدمت بسبب حركة الجهاد أو نحو ذلك، و لكل عسكر قشلة معينة و هي مشتملة على ديار كثيرة و بيوت عديدة كأنها مدينة، و بها حمامات و مسجد الخطبة و سقايات الماء المتعددات و ديار الوضوء و الأشجار مغروسة أمام بيوت كل جماعة، فكل جماعة تدخل موضعها المعلوم لها، و بالأبواب علامات كل فريق- ١٠٢- يتبع علامته، و بها النقوش الفائقة و زليج البديع و العمل الرفيع، و الأبواب المصبغة و الأرض المفروشة و الطرق المستقيمة، و بيوتها لها الشبابيك مطلة على ما وراءه (كذا) فالنظر فيها فرجة و نزهة، و لكل قشلة أوقاف معتبرة من ملوكهم رحمهم الله تعالى يصرف من مستفادها على أصحابها، هذا معنى القشلة.