رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٦٥ - الوصول إلى مكة و بدء شعائر الحج
و خطب الخطيب خطبة يوم السابع إحدى خطب الحج، و من الغد و هو يوم التروية خرج الناس من مكة قاصدين عرفات، و لم ينزلوا بمنى و لا باتوا بها فقد أميتت هذه السنة، و صار الناس في هذا الزمان يخرجون من مكة اليوم الثامن، و يروحون إلى عرفات و ينزلون في موضع الوقوف، فسرنا كذلك و وصلنا الخيام بعد العشاء، و بين مكة و عرفات نحو أربع ساعات فبتنا بالخيام و قلنا بها، و قد عمر هنالك سوق عظيم خرج الناس من مكة بجميع المأكولات و المشروبات و الأمتعة من مكة و غيرها، و الأعناب و الرمان من الطائف و جميع الفواكه، و عند النزول توجه الناس إلى مسجد نمرة، و قد خلفناه من وراثنا لكونه في طرف الحرم و نحن تجاوزناه إلى عرفات و هي في الحل، فخطب الخطيب و هذه الخطبة الثانية من خطب الحج جمع الناس فيه بين الظهرين.
و هذا المسجد أفسدته الأعراب فتدخل إليه مواشيها و أعدوه مقيلا لها،- ٢٣١- فكله ملئان ببعر الغنم، و هو كبير مسقفه ثلاث بلاطات و باقيه فضاء عار من السقف؛ و رجع الناس إلى الخيام و بعد العصر بهنيئة ركب الناس و وقفوا، فمن وجد فسحة قرب من الجبل و من لم يجد فسحة وقف بمكانه، و صعد الخطيب على ناقته إلى الجبل و استمر في خطبته إلى أن غربت الشمس، و دفع الناس من عرفات و تقدم وزير الشام بمحمله و عسكره و طبوله، و كذا باي مصر بمحمله و عسكره و طبولهم تنقر و المزامير و العسكر يخرج المدافع، و كل واحد من الفريقين يجهد في أن يتقدم على الآخر، فسبق أمير الشام فتقدم بمحمله و عساكره و تبعه أمير مصر كذلك و الحجاج من ورائهم، و استمروا كذلك بعد أن مررنا بين المأزمين العلمين، و هما بناءان أحدهما عن يمين الطريق و الآخر عن اليسار، إلى أن وصلوا المزدلفة، و نزلنا بها بغير خيام لأن الخيام تقدموا بها أمامنا، فلما حططنا بالمزدلفة و قد وصلناها بعد العشاء صلينا بها العشاءين جمعا و قصرا للأخيرة، و التقطنا جمار العقبة منها و بتنا بها، و لما طلع الفجر صلينا الصبح لأول وقتها و سرنا بغلس إلى المشعر الحرام، فرجعنا إليه لأننا خلفناه وراءنا فهو في آخر المزدلفة، فوقفنا به للدعاء إلى الأسفار ثم رجعنا على أدراجنا إلى أن وصلنا الخيام