رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢١٧ - تلخيص بعض ما جاء في كتاب النابلسي' الرد المتين'
و نقول أيضا إن أهل الكشف إذا أشرفوا على حقيقة النشأة الأخروية و انكشفت لهم أحوال الناس فيها، ظهر لهم منها ما لم ينبه عليه الشرع صريحا من كيفية النعيم و العذاب، و حقيقة الثواب و العقاب مما لم يحتج الشرع الى بيانه، فسكتت الأنبياء : عن التصريح به و أجملته و لم تفصله، لأنه من علم الهداية لا من علم المجاهدة، و الأنبياء :- ١٨١- إنما جاءوا إلى كافة الخلق من عند الله تعالى بعلم المجاهدة، و علم الهداية يتولى الله تعليمه لمن يشاء من عباده.
قال تعالى: [وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا] يعني على الكيفية التي جاءت بها الأنبياء : من عنده [لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا] [٣١٧]، أي نوصلهم إلى الإطلاع على حقائق الأشياء الدنيوية و البرزخية و الأخروية، و الإطلاع المذكور هو مقام الولاية لأن الله تعالى يتولى تعليمه للعبد، فكشف الشيخ رضي الله تعالى عنه حين حصل له علم الهداية من الله تعالى عن حال أهل النار، فوجد العذاب الذي هو الحركات المخصوصة من الزبانية و السلاسل و الأغلال، و الحيات و العقارب و التهاب النار و الحميم و الزقوم، كل ذلك متسرمد لا شبهة فيه على حسب ما وردت به النصوص، و لكن وجود الألم الناشئ في أجسام المعذبين بذلك العذاب و من أرواحهم بخلق الله تعالى عند مقارنة ذلك ليس متسرمدا، بل له أمد و حد ينقطع عنده فيبقى العذاب على ما هو عليه، و لكن ينقطع ألمه عنهم بعد استيفاء الألم لمدة الكفر الواقع منهم في الدنيا، و كان تخليدهم في النار و في عذابها المذكور أبد الآبدين و دهر الداهرين في مقابلة نيتهم في الدنيا، فإن نيتهم كانت فيها أنهم يبقون على الكفر ما عاشوا، و الألم الذي يحصل لهم من ذلك العذاب في مقابلة كفرهم بالفعل، و لا شك أن كفرهم بالفعل في الدنيا له مدة متناهية، فيدركون الألم مقدار موازنته عند الله تعالى، ثم ينتقلون إلى جزائهم على كفرهم بالقوة بسبب نيتهم ذلك، فيصير العذاب في حقهم صورة عذاب في ظواهرهم، كما أن كفرهم بالقوة في الدنيا كان صورة كفر جزاء وفاقا.
[٣١٧] الآية ٦٩ سورة العنكبوت.