رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٥٤ - شق الطرق في الجبال و إعجاب السفير بذلك
شق الطرق في الجبال و إعجاب السفير بذلك
و هذه المنزلة هي المنزلة الثانية التي يقيم بها الركب بين الشام و مكة، لإراحة الأنفس و الإبل يوم الوصول و ليلة غده و بعده إلى عشية النهار، فرحلنا منه بعد المقام المذكور عند الزوال و سرنا بقية النهار و الليلة بعده، و بعد طلوع الشمس بساعة، نزلنا بموضع يقال له العقبة [٣٨١] على مسيرة ثمان عشرة ساعة على غير ماء، و قد كنا حملناه معنا من معان، و قد كان في هذا الموضع قلعة و بركة ماء فخربت و بقيت هذه المرحلة من غير ماء، فنزلنا بها إلى نصف النهار و طبخ الناس ما أكلوا و صلينا الظهر و سرنا فانحدرنا مع هذه العقبة، و قد كانت من قبل صعبة يمر بها جمل في إثر جمل إلى زمن عثمان باشا (رحمه الله) لما كان أميرا على الشام، ففتحها بالمعاويل و وسعها و سواها، فهي اليوم يمر بها الستة و السبعة من الإبل (رحمه الله) و جازاه خيرا، و لما انحدرنا منها انتهينا إلى رمل و من هناك إلى مكة كله رمل و هذا أول الحجاز.
ثم تمادينا على المسير بقية النهار و الليل كله، و كنا ننزل لأداء الصلاة لأوقاتها و في نصف الليل للإستراحة، و بعد صلاة الصبح وصلنا الخيام على مسير اثنتي عشرة ساعة على قلعة يقال لها المدورة، و إلى جانب القلعة أرض ماؤها قريب يحفر عليه شيء قليل و ينبع الماء، منه يستقي الحجاج و يشربون، و قد أداروا على هذه المنابع سورا يرد عنها الرمل لئلا يغطيها و يعفى أثرها، فهو يتلقى ما تأتي به الرياح من الرمال، فظلنا هناك [٣٨٢] مقيمين من الصباح إلى عشية- ٢٢١- النهار، و سافرنا الليل كله وصلينا الصبح عند الخيام بموضع يقال له ذات حج، و هناك قلعة مؤسسة على بركتين من الماء ماؤهما كثير إلا أن رائحته كريهة، و قد حمل الناس الذين لهم خبرة الماء من المدورة الدار التي قبل هذه [٣٨٣]، فحملنا الماء معنا كما فعل الناس، فكنا نشرب من
[٣٨١] العقبة، منزل في طريق مكة من الشام بين واقصة و القاع، و هو ماء لبني عكرمة من بكر بن وائل فيه مضايق بين جبال تمر بها القوافل و ركب الحجاج. (معجم البلدان ٤- ١٣٤).
[٣٨٢] سقطت من (أ) و وردت في (ب).
[٣٨٣] يورد النابلسي أن بذات حج بركة ماء تحرسها كل سنة طائفة من عسكر الشام، و يروي أنه" استقى الناس من ذلك الماء الكثير و حملوا الماء لأن بعد ذلك ثلاث منازل لا ماء فيها إلى قلعة معان". (الحقيقة و المجاز ٤٨٥).