رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢١٦ - تلخيص بعض ما جاء في كتاب النابلسي' الرد المتين'
ليسوا منها بمخرجين، و يصدقه قوله تعالى و رحمته وسعت كل شيء. فقد أظهرت في هذه المسألة ما لم يكن باختياري، و لكن حق القول الإلهي باختياره فكنت فيه كالمجبور في اختياره، و الله ينفع به من شاء لا إله إلا هو، انتهى كلامه رضي الله عنه.
و الحاصل أن الإنصاف في هذه المسألة أن يقال: إن الشيخ رضي الله تعالى عنه لم يكن منكرا شيئا من الوعيد الوارد للكفار في الآخرة، و إنما قوله بأن الله تعالى يخلد الكفار في النار و في العذاب و السلاسل و الأغلال أبد الآبدين و دهر الداهرين، على طبق ما جاءت به الشريعة المطهرة، و لكن الحق الذي لا شبهة فيه أن- ١٨٠- هذه المسألة مبنية على سر عظيم لله تعالى في صدور الذين أوتوا العلم، لو ظهر لبطل كل شيء و حجاب الغيرة يمنع من ظهوره، و هو من وراء طور العقل و من أظهر شيئا منه كان مغلوبا في إظهاره، و لا يزيده الظهور إلا خفاء و قد أدمجه الله تعالى في قوله: [وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى] [٣١٦].
و من فهم القرآن من الله تعالى لا من شيخ يعلمه فهم ذلك، و من لا فلا و إن عاش عمر الدنيا، و لكن الآن نقول تقريبا للعقول، إن أهل النار في ترقيهم و سلوكهم بالعذاب يصلون إلى عين الغضب الإلهي، فإذا وقعوا فيه انتهى سيرهم و ذلك قوله تعالى: [وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى]، كما أن أهل الجنة يصلون في ترقيهم بالنعيم إلى عين الرضى فيقعون في الرضوان، فينتهي سيرهم و ذلك قوله تعالى: [وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى]. ثم إذا رد أهل النار لنفوسهم تلذذوا بالعذاب، فيصير عذوبة بالنسبة إلى عين الغضب الإلهي الواقعين فيه، لا أن العذاب نفسه ينقلب عذوبة و إنما عذوبته نسبية، و كذلك أهل الجنة إذا رجعوا إلى نفوسهم تألموا من نعيم الجنة، فيستغيثون منها حتى يردوا إلى شهود الحق لا على أن النعيم ينقلب عذابا، فتأمل هذا و الله يتولى هداك.
[٣١٦] الآيتان ٤٢ و ٤٣ سورة النجم.