رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٣٤٦ - تاريخ الرجوع إلى مكناس و مدة السفارة
المشوب بالطيب المشتبه بقلنسوة الخطيب، فخطابك البليغ أفضل من ذلك كله و أجمل، و منزعك اللطيف أوصل للنفوس و بها أحل، لأن ذوق معاني الكلام ألذ من ذوق ما في الأواني من الطعام و أجل و أكمل، و مما هزني من ذلك للكلام، و لزني في المداعية معك كما لز الألف مع اللام، ما أودعته في رسالة الاستدعاء من قولك و الساق مشمر عن ساق، فإنه ذكرني قول بعض المقاول:
لم أنس يوما قام يكشف عامدا* * * عن ساقه كاللؤلؤ البراق
٣٢٤- لا تعجب إن قامت لذاك قيامتي* * * إن القيامة يوم كشف الساق
و إني لما حضرت ذلك المجلس الأبهر، و أظهر فيه الساقي من شمائله ما أظهر، إنما تاه فكري في لطف مناولته، و وصف مطالعته لرضاك و محاولته، فغبت بذلك عن ملاحظة الساق المشمر عنه، بل و عن الساعد الذي كان أقرب إلي منه، نعم أتهم لك نفسي بنظرة أولى لمحياه، و كأن القلب بها حياه، لكن قلت في الحين على الشذوذ إياي و إياه، فلعل السيد لنفسه هيأه، و النظرة الأولى كما علمت معفو عنها، و إذا سمح قدرك العالي بالمداعية فهذا منها و السلام.
فراجعته بقولي: أبقاك الله لطرفة تجليها، و بنات أفكار بدر نثارك تحليها، و نادرة تردفها بأخرى تليها، تلك رياض تفتحت عن أزاهرها أكمام، و لات حين للأزاهر إلمام، هذه يقظة أو منام، عهدي بالرياض لم ينتج الآن شمام، أو ذاك مسك فض عنه ختام، تحيرت في ذلك أظنه سحرا أجل نفث به حبر و إن شئت بحر فخذ عن إمام، إمام تجملت بطلعته الأيام، و تجمعت له شوارد العلوم فتسنى له بعد تفرقها التئام و التمام، أما الأدب فهو بعض بعض فنونه، و رشوحه من معين أنهار عيونه، أما تراه قدوة للأنام حل من درى المعقول و المنقول حيث لا محل للمحلى، و أربى فيما أبدع من البدائع على بدائع الحلي، أليس معدودا في إحراز السبق في مرتبة لو كانت قبل المجلى، و أما ذكاؤه فشهاب يتوقد، و المعية في كل آونة تتجدد، فقد غذا إياس عن إدراك شأوه ذا إياس، عذبت مفاكهته و عدمت مشاكهته،- ٣٢٥- رمى بسهمه في أغراض المداعبة فقرطس، و استخرج من لجج بحارها من