رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٨٩ - الوصول إلى عكا و حفاوة الباشا الجزار و ذكر بعض إنجازاته
في خان جديد أنشأه على ساحل المرسى، و بعد يوم من نزولنا استدعانا لأنه كان مريضا، فتوجهنا إليه فأبدى بشاشة و فرحا و قعدنا معه ساعة نتحدث ثم خرجنا من عنده.
و لهذا الوزير أثر كبير بهذه المدينة و هو الذي شهرها و به اشتهرت، و أنشأ بها مسجدا من أحسن المساجد و ألطفها على شكل مساجد القسطنطينة، و غرس في صحنه المستدير شجرا مصفوفا من نخيل و سرو، و أنشأ بها أيضا حماما ما رأيت مثله لا في القسطنطينة و لا في الشام؛ و أهل البلد يثنون عليه كثيرا، فله جرايات على الضعفاء و الفقراء و رواتب لأهل الحياء- ٢٥٩- و الحشمة الذين لا يسألون الناس إلحافا، إلا أنه به شموس من الدولة أبي القياد (كذا)، يفعل في بلاده برأيه و يقبل من أوامرها ما يوافق غرضه. و قد استدعته الدولة و نحن هنالك للقدوم عليهم، قائلين له إنهم أرادوا بعثة لناحية العدو برسم الجهاد فأبى عليهم، لكنه معذور فلا يأمن على نفسه.
و بظاهر المدينة ضريح نبي الله صالح ٧، و هو عن يسار الخارج من المدينة لناحية المشرق في وسط المقبرة، فتوجهنا إليه و فتحوا لنا القبة التي فيها قبره المبارك، و قرأنا عنده ما تيسر من القرآن و دعونا الله بما يرجى قبوله.
و لما دخلت إلى حمامها البديع ذي الصنع الرفيع، وجدت القيم عليه أبدع و أحسن و أنصع، و الطيور على أجناسها تقع، و لما خرجت منه و قعدت في إحدى مصاطبه للإستراحة، أتى إلي معرضا بالقهوة علي، فقلت عند رؤية شماله [٤٢٦] و قويم قدهش و تمايله:
لم أنس عكة إذ جعلتها مأربي* * * يوم دخلت إلى حمامها المعجب
- حادثا طريفا جمعه بأحمد باشا و عنه يقول:" و كان هذا الجزار رجلا أحمق يبحث عن أهل الحكمة و علم الحدثان، و كان يزعم أنه المهدي المنتظر و يصرح بذلك"، و قد دارت بين الرجلين مناقشات صرح فيها أحمد الجزار أنه سيملك" المشرق و المغرب و يصل بلادك (المغرب) و يملكها". (الترجمانة ٢٥٨- ٢٥٩).
[٤٢٦] الصحيح" شمائله" كما في (ب).