رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٣٦ - بداية الرحلة إلى الحجاز مع ركب الحج العثماني
الملاقاة و الوداع، و بعث خيولهم على الهيئة الأولى فتوجهنا إليه، فلما دخلنا عليه قام إجلالا و هذا القيام لمن يستحقه عادة عند الأعاجم كلها. فقعدنا معه على أريكة و أتى بالقهوة- ٩٢- و الأشربة و الطيب و البخور كما هي عادتهم، و ذكر ما هم مشتغلون به من أمور الحرب و أخذ الأهبة للعدو الكافر المسكوف و النمسة [١٨٦] فقد تظافر هذان الجنسان اللعينان على المسلمين فالله تعالى يخذلهم، و سأل الدعاء لهم بالإعانة و النصر عند مواجهة ضريح المصطفى ٦ و البيت الشريف، اللهم انصرهم نصرا مؤزرا و افتح لهم كل مقفل و سهل عليهم كل أمر معسر، فإنك قلت و قولك الحق ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا و أن الكافرين لا مولى لهم.
ثم أحضر خلعا على مقتضى عوائدهم فأخلع علينا و على جميع الحاضرين من أصحابنا ثم تودعنا من عنده فدخلنا على خليفته ففعل مثل ما فعل الوزير مثلا بمثل ما عدا الخلع، ثم إلى أحد أعيان الدولة يقال له الرئيس أفندي ففعل مثل ذلك، ثم خرجنا من عند الجميع.
و قد كان السلطان مهد الله له الأوطان قد عين الخيام و البهائم لحمل أثاثنا و أثقالنا و المحامل لركوبنا و جميع الأسباب أدام الله معروفه و جعل دولته بحراسة الله محفوفة، و الكل من بركة سيدنا و مولانا أمير المؤمنين مرسلنا و سيدنا، فإنما فعل معنا ذلك مراعاة لأجله و اعتبارا لإحسانه أيده الله معهم بقوله و فعله، فالجميع بوجوده منوط إذ لو لا الواسطة كما قيل لذهب الموسوط، فالحق أجلى و الاعتراف بالنعم أولى أدام الله فخره و خلد بالجميل ذكره.
بداية الرحلة إلى الحجاز مع ركب الحج العثماني
ثم رأيت أن نرسم مقدار مساحة المراحل التي نسيرها و نصف ما تيسر لنا وصفه من الأرض و البلاد. ثم تأهبنا للسفر و قد كنا متأهبين و قطعنا البحر
[١٨٦] إشارة إلى تكالب القوى الأوربية على الدولة العثمانية حيث تحالفت الإمبراطوريتان الروسية و النمساوية لمواجهة الأتراك و انتزاع ممتلكاتهم الأوربية.