رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٤٥ - بداية الرحلة إلى الحجاز مع ركب الحج العثماني
و لما كان هذا الخان العظيم في الغاية و فوق النهاية ناسب أن يلحق بالقشلات فسموه بلغة الترك ألن قشلة، المعنى ولد القشلة لأن معنى ألن ولد. و هذه البلاد كثيرة البرد فقد سلكناها في آخر مايه [٢٠٥] و زرعها لم يستو على ساق و بعضه لم يستر الأرض نباته. و من الغد سافرنا منها في أول النهار في أرض سهلة و آخره وعر، فانتهينا إلى عقبة يقال لها الصندقلي نزلنا فيها من المحامل و ركبنا الخيل لصعوبتها، و لما انحدرنا منها نزلنا بموضع بين جبال مشرف على وادي قطعناه قبل العقبة خمس مرات على ست ساعات، و يقال لهذا الموضع شفت خان معناه خانان اثنان سمي باسم خانين هنالك مؤسسين على حاشية الوادي، و هذه البلاد كثيرة البرد كثيرة الرعود، فقد تكلم علينا بعد أن نزلنا و نزلت صاعقة و العياذ بالله فذهبت برجل و دفناه مكانه، و لم يقع بجسده جرح و لا كسر و إنما مات من شدة صوت الصيحة و الله أعلم.
و من الغد رحلنا منها و سرنا في أرض متشعبة و طرق متعبة في شعبة مستطيلة بين جبال و الوادي مار بوسط الشعبة، و ربما تدنو الجبال بعضها من بعض حتى لا يبقى إلا مجرى الوادي، فتفتح الطريق- ١٠٣- في حاشية الجبل بالمعاول و الآلات، فظلنا بقية يومنا في هذه البلاد الوعرة ذات الحجارة الكثيرة المنتشرة، بل ربما كنت أنزل عن الفرس في بعض الأماكن لصعوبتها، و أما المحامل فقد تركناها لما في ركوبها من المخاطرة إذا مر الإنسان في طريق محفور في حاشية الجبل و الواد أسفله، مع توالي صب البرد و الأمطار و إرسال السماء حلبها المدرار إلى أن وصلنا إلى موضع يقال له أوابل و هو موضع خال ليس به إلا دكاكين، إذا نزل الركب في ذلك المكان تأتي أهل القرية القريبة منه بالميرة يبيعونها بها و قد وصلناه على ثمان ساعات.
و من الغد سافرنا في بلاد مثل البلاد المتقدمة أو أصعب حجارة وضيقا و صعوبة بين جبلين و الوادي بينهما، فتارة نمر بوسط الوادي و تارة بإحدى العدوتين حيثما أمكن فتح الطريق في الجبل، لأن هذه الطريق كلها مأخوذة
[٢٠٥] يعني شهر ماي.