رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٣٤٨ - تاريخ الرجوع إلى مكناس و مدة السفارة
رؤساء الحكماء، و أطبق معهم نجباء العلماء، أنه لابد لها من رياضة، إذ التدريج حكمة هذا العالم و إن كانت القدوة فياضة، و صاحب القصر يهوى قبابه و تارة رياضه، و يستحسن من أزاهرها المختلفة ما خالطت حمرته بياضه، و لذا قيل:
لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة* * * إلا التنقل من حال إلى حال
كما قيل أيضا:
تنقل فلذات الهوى في التنقل* * * ورد كل صاف لا تقف حول منهل
و في المعنى:
أفد طبعك المكدود بالجد ساعة* * * بلهو و علله بشيء من المزح
البيتين. و قد علمت أعزك الله أن اللذة انبساط باختلاس، و أكمل اللذات استنباط حكم همم الجلاس، لأن همة المرء ميزان عقله و برهان- ٣٢٧- فضله، و أكثر ما تظهر في قوله، المرء مخبؤ تحت لسانه، و قد كان من تقدم من الكبراء و الأمراء و الوزراء يستعملون جل أوقاتهم في هذا المعنى، يولعون به و يعنون أجل بذلك يولع و به يعنى.
و أذكر الآن من ذلك ما حكاه الثعالبي في يتيمته، و قد ذكر القاضي التنوخي فقال: و كان كما قرأت في فصل للصاحب، إن أردت فإني سبحة ناسك، أو أحببت فإني تفاحة فاتك، أو اقترحت فإني مزرعة راهب، أو آثرت فإني نخبة شارب، إلى أن قال: و كان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي، و يجتمعون إليه في الأسبوع ليلتين على أطراح الحشمة و التبسط في القصف و الخلاعة، و ما منهم إلا أبيض اللحية طويلها مثل المهلبي، فإذا تكامل الأنس و طاب المجلس و لذ السماع، و أخذ الطرب منهم مأخذه، وهبوا ثوب الوقار للعقار، و تقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة و الطيش، إلى أن قال: و عليهم المصبغات و مخانق البرم و فيهم يقول السري:
مجالس ترقص القضاة بها* * * إذا انتشوا في مخانق البرم.
و اذا أصبحوا عادوا لعادتهم في الترهيب و التوقر و التحفظ، و أبهة القضاء و حشمة المشايخ الكبراء.