رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٤٠ - بداية الرحلة إلى الحجاز مع ركب الحج العثماني
مخدومهم إكراما زيادة على الأجرة المعلومة، و صار ذلك عادة لازمة كالشرط و يسمون ذلك البقشيش بلغتهم، و بها حمام مبني على ماء يخرج من الأرض في غاية الحرارة و جعلوا له حوضا كبيرا عمقه أقل من القامة، فهو مثل المغطس يصب فيه ذلك الماء و يخرج منه، و هو ملآن دائما و الناس يغتسلون على حاشيته و من أراد أن ينزل إليه ينزل، و ماء هذا الحمام كثير مثل النهر الصغير و له خدام مثل الحمامات بمآزرهم و أرديتهم، فمن دخل و أخذ الميزر أو خدمه أحد من أهل الحمام يعطي كراء الميزر و أجرة الخديم مثل الدلاك، و من خدم نفسه و أتى بميزره معه فلا يلزمه شيء لأن الماء سخن بقدرة الله تعالى فلم يتسبب أحد فيه، و يسمونه حمام القدرة و قد دخلت إليه و اغتسلت فيه و لم أستطع أن أطيل اللبث فيه لحرارته.
و هذه المدينة و حوزها شديدة البرد فقد سلكناها و الشمس في برج الجوزاء و لاقينا بها من البرد ما يقل وجوده عندنا حتى في الليالي، و نباتها من أجل ذلك ضعيف و زرعها في هذا الفصل لم يستو على ساق. ثم رحلنا من هذه المدينة قرب الغروب و سرنا الليل تسع ساعات و نزلنا- ٩٧- بعد طلوع الفجر على قرية يقال لها سيدي الغازي (١٠)، سميت باسم رجل من الصالحين مدفون بها و اسمه جعفر و لقبه البطل الغازي، و هو مدفون في قلعة مشرفة على القرية و هي أي القلعة من بنيان الروم، و قد زرنا ضريحه و تبركنا بتربته. و أخبرت أن الذي بنى ضريحه علاء الدين السلجوقي و لم أقف على من عرف به تعريفا شافيا.
و هذه القرية مؤسسة على ربوة من الأرض أسفلها نهر عذب و عليه كان نزولنا، و هي أيضا شديدة البرد مثل البلاد المتقدمة. و من الغد سافرنا منها في بلاد غابة أكثر شجرها لرز [١٩٤] (كذا) المعلوم، فنزلنا على قرية يقال لها خصرم باشا على ثمان ساعات. و من الغد سافرنا أيضا في غاية أكثر شجرها الأرز، فنزلنا على قرية يقال لها بياض كوى، المعنى المدشر الأبيض على خمس ساعات، و قد وجدناها خالية من أهلها و كذلك القرية التي قبلها لأن
[١٩٤] يقصد الأرز.