رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢١٤ - تلخيص بعض ما جاء في كتاب النابلسي' الرد المتين'
في ذلك، و لكن لا يلزمني الإفصاح عنه لأن الإفصاح عنه لا يرفع الخلاف من العالم، انتهى كلامه رضي الله تعالى عنه.
فإن قلت: فما نتيجة العذاب حينئذ إذا لم يتألموا به، قلت: نتيجته أن ينقلب عذوبة خاصة بهم في حقهم بعد انقضاء مدة الألم، لا كالعذوبة التي يدركها أهل الجنة في نعيمهم، فكلما زاد العذاب و قوي زاد تنعمهم الخاص به كما أشار إليه الشيخ رضي الله تعالى عنه في أبيات الفصوص:
و إن دخلوا دار الشقاء فإنهم* * * على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد و الأمر واحد* * * و بينهما عند التجلي تباين
يسمى عذابا من عذوبة طعمه* * * و ذاك له كالقشر و القشر صائن
و من تأمل قوله تعالى: [فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ] [٣١٤] فهم المراد بطريق الإشارة القرآنية لا العبارة، فإن السور هو الحجاب الذي قال تعالى و بينهما حجاب و لم يتوقف في شيء من ذلك، لا سيما و كل إنسان يعلم من نفسه أنه إذا أصابه ألم من مرض أو مصيبة مثلا، ثم طالت مدة ذلك الألم عليه بحيث ألف ذلك الألم، فإنه لا يجد له إدراكا في نفسه بل ربما تألم لفقده مع أن مدة الدنيا قليلة، و إنما كان عذاب الآخرة ليس كأمراض الدنيا و لا كمصائبها التي تنسى بطول المدة، لأن مدة عذابها أطول فتذهب شدة العذاب في طول المدة و ما ذلك على الله بعزيز.
و قال الشيخ رضي الله عنه أيضا في" الفتوحات- ١٧٨- المكية" في الباب الرابع و التسعين و مائتين: إعلم أنه لما رأى بعض العارفين تعظيم هذه الأمور مشروعا، يعني التي أقسم الله تعالى بها من الموجودات و المعدومات بقوله: [فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ] [٣١٥]، ألحق كل ما سوى الله تعالى بالسعادة التي هي في حق أصحاب الأغراض من المخلوقين، وصولهم إلى أغراضهم التي لا تخلق لهم في الحال، و لم يبق صاحب هذا النظر أحدا
[٣١٤] الآية ١٣ سورة الحديد.
[٣١٥] الآيتان ٣٨ و ٣٩ سورة الحاقة.