رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٧٢ - ذكر القسطنطينة العظمى التي فاقت حواضر الدنيا ترتيبا و نظما
فهي محشر الأمم و محط الرحال و بحر العمران، و غاية القصاد و المورد العذب للوراد، لا يوقف في وصفها على حد و لا يتناهى في مآثرها و محاسنها على عد، فلها المساجد التي بهرت و بالتدريس و طلاب العلم ازدهرت، التي في بديع شكلها و حسنها و رونقها لا تضاهى،- ٢٥- و لها الأسواق العامرة بالأشياء الغامرة التي لا تتناهى، فالأولى أن نقتصر في الخبر على كلام النصراني الحبر.
إلا أن بردها عاصف وقرها لا يصفه واصف، لا يرده دثار و لا موقد نار، فهي إناء للثلج المصبوب، فتنبو عن المضاجع من قرها الجنوب، و كثيرا ما يقع في ديارها و أسواقها حريق للنار و الهوب، لأن بيوتها من الخشب المجلوب، و لله من قال و ناهيك بها حسنة تعد من الذنوب. و سبب انتقالهم إلى الخشب عن البناء بالحجارة، و إن كان قريبا بعضه من بعض في العمل و الإجارة، كثرة ما يقع بأرضهم من الزلازل التي لا تبقي و لا تذر، و انتقال من موت لآخر واجب في الشرع و مقرر، فهي على ما هي به من الخيرات موصوفة جنة بالمكاره محفوفة.
و كفاها شرفا و فخرا، ما حازته دون غيرها قنية و ذخرا، قبر أبي أيوب الأنصاري [٦٩] صاحب رسول الله ٦، و كونها موطن جهاد و قراع للعدو و جلاد، منها تجهز الجيوش و الكتائب و تشحن السفن و المراكب، و تفرق الجرايات و الإعانة و الرواتب، جعل الله لها من حفظه و كلاءته لزيما يرافقها و أجرى القدر بما يوافقها. و قبر أبي أيوب خارج عن المدينة بربطها [٧٠] و عليه عمارة كثيرة، و قد توجهنا إلى زيارته مرارا فنركب البحر
[٦٩] خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة أبو أيوب الانصاري (ت. ٥٢ ه- ٦٧٢ م)، صحابي و حامل لواء النبي، شهد العقبة و بدرا و أحدا و الخندق و سائر المشاهد. كان شجاعا محبا للجهاد و الغزو، عاش إلى أيام بني أمية. سكن المدينة ثم رحل إلى الشام و لما غزا يزيد القسطنطينية في خلافة أبيه معاوية صحبه أبو أيوب غازيا، و مرض فأوصى ان يوغل به في ارض العدو و لما توفي دفن بالقرب من القسطنطينية. (ابن سعد ٣. ٤٩؛ الإصابة ١. ٤٠٤؛ الزركلي ٢. ٢٩٥؛ دائرة المعارف ١. ٣٠٩؛ شذرات الذهب ١. ٥٧).
[٧٠] الأصح ربضها.