رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٤٤ - استنكار ابن عثمان لممارسات القضاة و انتشار الرشوة و الفساد
لا عجب من بدر فضل أضا* * * فمن جهات الغرب يبدو الهلال
تبارك الواهب قلبي له* * * و جل من قد خصه بالكمال
فأجبته بقولي:
و أنتم أهل لكل الذي* * * ذكرتم بلا بقاء احتمال
و حزتم علما و مكرمة* * * لله أنت يا فصيح المقال
خلقا و خلقا و انبساطا له* * * أدب غض للنفوس استمال
و حلية حلاك رب العلا* * * بها لكم على القلوب اشتمال
فما عسى يثنى عليكم به* * * و أنتم للدين صرتم كمال
استنكار ابن عثمان لممارسات القضاة و انتشار الرشوة و الفساد
و منهم مفتي الحنبلية الشيخ إسماعيل الجزاعي، فقد كان منزله بالقرب منا و كان يتردد إلينا كثيرا. و قد نزلت نازلة بدمشق و ذلك أن القاضي سجن رجلا حكم له، حتى يؤدي عشر الشيء المتنازع فيه كما هي عادة قضاة المشرق، نسأل الله السلامة و العافية من هذه الورطة التي وقعوا فيها، فقد عمت بها البلوى في القسطنطينة و بلاد الترك و الشام و العراق و مصر و جميع بلاد المشرق، و باعوا آخرتهم بدنياهم متفقين على ذلك من غير توقف و لا تأمل، و لا تخوف و لا استحياء و لا تستر، فليس للوعظ فيهم عمل و لا تأثر، فكأنها عندهم جباية من أصول فيسمونه بالمحصول،- ٢١٠- فتجد القاضي يناضل على قبضه و يصول، من غير ارتياء و لا استحياء و لا حشمة، و لا اعتبار بعار أو وصمة، كأنه حق واجب و يزاد للجليس و الحاجب، فإن كانوا مع إظهارهم لهذا الأمر جليته معتقدين حليته، فقد باءوا بالصفقة الخاسرة وجوه يومئذ باسرة، فيا حسرتا على الأحكام الشرعية المرضية المرعية، فقد ضاعت حقوقها و ساغ عقوقها.
و طلب مني أن نشفع عند قاضي البلد في هذا الرجل، و هذا القاضي لم يكن بيني و بينه اتصال، فلا كان و الرجل ألح علي به كثيرا، و قد وقع بيننا و بين قاضي مكة المشرفة معرفة و محبة لما أتينا من القسطنطينة، فقد جئنا في رفقة واحدة، فقد وجهه السلطان برسم أن يكون قاضيا في الحرم