رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٤٥ - استنكار ابن عثمان لممارسات القضاة و انتشار الرشوة و الفساد
الشريف، و جمعتنا الطريق فصارت بيننا و بينه المعرفة، فكتبت له أبياتا ليشفع هو عند القاضي المذكور، الآتي بهذا الفعل المنكور و هي:
الحمد لله الذي يثيب* * * و يجتبي إليه من ينيب
معذرا صلاح هذي الأرض* * * بدفعه ببعضنا عن بعض
و الخلق عيال على كماله* * * أحبهم ذو النفع لعياله
لحادث يشكى لذي مروءة* * * يسلي هموما نزلت بهمه
غاية مأربي لكم و حرصي* * * أن تنقذوا عبد الجليل الحمصي
جعل في الأغلال و القيود* * * في ظلمة في باطن الأخدود
حتى يؤدي لقاضي البلد* * * ربع كيس من قروش العدد
٢١١- من غير ما جرم و لا جناية* * * فلتدركنه منكم عناية
من أجل ما حكم فيه و قضا* * * أعيذكم بالله من سوء القضا
ما أنزل الله بها سلطانا* * * فالظلم يخلي الدور و الأوطانا
حرمة مال المؤمنين كالدم* * * عن النبي رواه ذو التقدم
و قد أتانا راغبين أهله* * * و نحن جئناك فأنت أهله
فتوسط له عند القاضي، و باللتي و اللتيا [٣٧١] أسقط له نصف حقه، و استخلصناه بمشقة من رقه، بعد أن علق بأظفاره مثل ما علقت أظافر سنور بفأرة، و بقي ينهق تحسرا مثل حمار فاره من كثرة ما هو شاره.
و من الغريب أن القاضي الذي بعثنا له بالأبيات ليشفع عند قاضي البلد في قضية الرجل المذكورة، رأينا منه أشياء و نحن في طريق الحجاز أبشع من سيرة القاضي الأول، و ذلك أنه مهما مات أحد من الحجاج إلا بعث أصحابه في الحين، فيحصوا متاعه و يأخذ عشره و ورثته قائمون موجودون، بل ربما مرض أحد فثقف متاعه قبل موته، و يناضلون على هذا و يخاصمون عليه إن ظهر من يصدهم عنه و لو بشفاعة، و يرون أنه حقهم نفذه لهم السلطان، فإن كانوا مع هذا يعتقدون الحلية فهو كفر و لا حول و لا قوة الا بالله، فقد ضاعت الأحكام الشرعية في هذه الديار المشرقية، فلا تجد
[٣٧١] تعبير شائع في مؤلفات المغاربة يقصد به" بعد جهد و مشقة".