رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٣٢ - ٥- الأسلوب و اللغة و التوثيق في الإحراز
و حين يفرض الموضوع على المؤلف اتخاذ أسلوب بسيط و جاف، كما هو الحال مع مشاهداته خلال مراحل السفر، فإننا نكاد نلمس أنه يتحين الفرصة لمعانقة أسلوبه المنمق و الشاعري. فوسط وصفه لمصاعب الطريق التي فرضتها تضاريس آسيا الصغرى، لم يفته تسجيل صور جميلة زادها الأسلوب الذي صيغت به جمالا، من ذلك قوله عن البلاد التي مر منها منذ خروجه من إستانبول إلى خان الوزير:" ... و ماؤها كثير و أثرها كبير، و ظلها من كثرة الأغصان ظليل و نسيمها عليل، و لا تمر بساقية فضلا عن وادي إلا على قنطرة مضروبة، و لا بمكان ذي و حل إلا على جسر بحجارة مرصفة منصوبة" [٥٥]. و في مكان آخر يصف المنطقة التي مر منها بقوله:" و من الغد سافرنا في بلاد منفسحة، و فجاج مفرحة و مياه مطردة، و طيور مغردة و أزهار على أنواع متعددة، ما رأيت أكثر من هذه الأرض مياها عذبة، مسامتين لجبل عن يميننا انبجست بالماء المعين عيونه، و تتابع هديره و أنينه، قد استوعب ذلك السهل سقيا، و كساه من حلله السندسية رعيا، و عذب منه الهوا، و طاف في جوانبه النهر و على سوق أشجاره صله إلتوى [٥٦].
و قد لا نكشف سرا إذا قلنا إن الأسلوب الذي يختاره أي مؤلف مرتبط بحالته النفسية، و خاصة بالنسبة لرحالة يكتشف بلادا غير بلاده، و يواجه مواقف متغيرة بعيدا عن أهله و ذويه، و مما يؤكد ذلك في حالة ابن عثمان أن اعتماده لأسلوب مسجع منمق ارتبط غالبا بحالة نفسية متميزة مر بها، سواء كان مبعثها الارتياح أو القلق. فمن أمثلة الحالة الأخيرة ما ورد في نص يصف فيه المحنة التي عاشها خلال رحلة العودة بحرا من قبرص بسبب هيجان البحر حيث يقول:" فإن كان الريح موافقا لنا أتى و هو عاصف، و أثار أمواجا لا يصفها لعظمها واصف، و إن كان غير موافق ترجحت البوائق، و تطلعت لو لا فضل الله بأعناقها العوائق، فذهب الوسن عن الأماقي، و بلغت الروح التراقي [٥٧].
[٥٥] نفسه، ص. ٨٤.
[٥٦] نفسه، ص. ٨٦.
[٥٧] ابن عثمان، الإحراز، نفسه، ص. ٢٥١.