رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٣٣ - ٥- الأسلوب و اللغة و التوثيق في الإحراز
نختم الحديث عن أسلوب ابن عثمان في الإحراز بالإشارة إلى مراسلاته و مسامراته مع أصدقائه عقب رجوعه من رحلته إلى مكناس، باعتبارها نموذجا للأسلوب المتبع في مراسلات الفقهاء و الأدباء آنذاك، حيث الحرص على قوة الأسلوب و تنميقه إبرازا لامتلاك ناصية اللغة، و القدرة على استغلال ذخيرة معجمية في تطريز و تدبيج نصوص بديعة.
ففي كتاب لابن عثمان إلى صديقه الكبير البيجري يدعوه فيه للقدوم عليه لتناول الشاي يقول:" و إنا لننتظر قدومك علينا قبيل الشمس شروقا، و الإبريق يصطك فؤاده لسقياك خفوقا، حتى نتقضى من منادمتك حقوقا، فالساق مشمر عن ساق، و الإبريق متأهب بما يليق لأن يريق، و الكأس بحلا عسجدية كاس، و الكل للقياك متأهب، و بطاعتك متقرب [٥٨].
و إذا كانت رسالة الدعوة تنم عن عناية صاحبها بالمحسنات البديعية ليبدو أسلوبها منمقا، فإن الجواب جاء في حلة أبهى و أجمل إذ كتب البيجري:" المبرز في العلا المحرز للمعلى، محيي فصاحة الأوائل و معيي سحبان وائل ... هذا و ما عسيت أحلى، و لو حصلت لي ملكة المحلى، أو حصلت أنواع بديعة الحلى، و أنت أعزك الله السفير بين الملوك، و الوزير الذي هو في عقد الوزارة فاخرة السلوك، فأنى يوصل إلى الأوج من فلك مجدك، و لا يقال للزوج إن له معنى من معاني فردك، بيد أنك حفظك الله كريم الأخلاق، و حضرتك العلية حضرة الإطلاق، فبساط أنسك لا شك أنه أرفع، لكن انبساطك فيه أوسع للنفوس و أنفع، و هو و إن كانت به الفرش المرفوعة و الأكواب الموضوعة، و ألوان الطعام مما طار كما قيل وعام، أو من غيرهما كذلك المشوب بالطيب، المشتبه بقلنسوة الخطيب، فخطابك البليغ أفضل من ذلك كله و أجمل، و منزعك اللطيف أوصل للنفوس و بها أحل، لأن ذوق معاني الكلام، ألذ من ذوق ما في الأواني من الطعام و أجل و أكمل، و مما هزني من ذلك للكلام، و لزني في المداعبة معك كما لز الألف
[٥٨] نفسه، ص. ٢٧٣.