رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٠٠ - وصف زفاف أمرة عثمانية
وصف زفاف أمرة عثمانية
و من ضخامة هذه المملكة أن السلطان أيده الله زوج ابنت أخيه السلطان مصطفى (رحمه الله) من أحد كبراء دولته، و حضرنا هناك يوم زفافها، فاجتمع الناس على طبقاتهم و وجوه الدولة على مراتبهم بباب دار السلطان و كان يوما مشهودا، و أنشأ الناس في الشوارع المتسعة و الأسواق مراتب و مقاعد من الخشب، عن يمين المار و شماله بقصد أن يقعد الناس عليها لرؤية زفاف ابنة السلطان. فامتلأت تلك المقاعد كلها على طبقاتها بكراء معتبر، فقد أخبرني بعض أصحابنا أن امرأة اكترت مقعدا من المقاعد المذكورة بأربعين دينارا. و امتلأت حتى الدكاكين و الحوانيت- ٥٤- و الأسطحة من باب دار السلطان إلى دار زوجها، فكان الناس يتسابقون لكراء المواضع في تلك المقاعد حتى امتلأت و امتلأ الفضاء.
و لما قرب الزوال خرجت أولا من باب دار السلطان الخيل راكبة عليها فرسانها متتابعين على أربعة صفوف، و بعد أن نفذت الخيل تبعهم العسكر الرجالة أفواجا أفواجا، على مراتبهم و طبقاتهم و اختلاف هيئاتهم، ثم تلاهم المعلمون و أهل الصنائع و الحرف في هيئة عجيبة، و أهل كل صنعة حاملون معهم آلات حرفتهم ليميزوا بها، و قد اتخذوها من الفضة أو الذهب، كل معلم يجعل آلته في حزامه، و إنما اتخذوها من النقد ليشهدوا بها المشاهد مثل هذا اليوم بقصد الزينة، لأن هذا أمر مقرر لديهم مشهور و معلوم و مذكور، ثم تلاهم أعيان الدولة على الانفراد، كل واحد في موكب عظيم من خدمته و أتباعه و حفدته و أشياعه، الأول فالأول على الترتيب، ثم أتى في آخر القوم الوزير الأعظم و شيخ الإسلام في موكب عظيم من الرجالة حافين بهم، و بعدهما أقفاص من الذهب مملوة يواقيت و أحجارا نفيسة من شوار ابنة السلطان، و بإثر ذلك عبد الدار راكبا على فرسه حاملا للمصحف الكريم بقصد التبرك يقدمه أمام العروس، و بعده الكدش [١٢٧] الذي فيه العروس
[١٢٧] العربة، و الكلمة تحريف للفظة الإسبانيةcoche التي لا تزال تنطق بالدارجة المغربية الكوتشي، و جمعها في الكتابات التقليدية أكداش.